بغداد – علي الدليمي
في فضاء يجمع بين عراقة الرافدين وحداثة التجربة الخليجية، احتضن "جاليري الأورفلي" بالعاصمة الأردنية عمان المعرض المشترك (كائنات منسابة)، الذي جمع بين النحات العراقي هيثم حسن والرسامة السعودية مهدية آل طالب.
يأتي هذا اللقاء الفني ليقدم مشهداً تشكيلياً عربياً معاصراً، تتلاقى فيه الرؤى الفكرية والجمالية رغم اختلاف الوسائط التعبيرية، حيث نجح الفنانان في نسج حوارية بصرية تمزج بين الرمزية السريالية والتعبيرية المشحونة بالعاطفة، ليعيدوا صياغة مفهوم الوجود والتحولات الإنسانية من منظورين متكاملين.
يمثل معرض "كائنات منسابة" محطة لافتة في المشهد البصري المعاصر، إذ لا يكتفي العرض بتقديم أعمال فنية فحسب، بل يطرح "أنطولوجيا" (دراسة وجود) للذات والذاكرة.
تتحرك تجربة الفنانة مهدية آل طالب في منطقة "التعبيرية الرمزية"، حيث تحول اللوحة إلى فضاء للتأمل الباطني. ويمكن رصد مرتكزات خطابها البصري في البعد الزمني والملمس، وتعتمد تقنيات "الوسائط المتعددة" مع تركيز خاص على الأسطح الخشنة والتعتيق. هذا الاشتغال يمنح شخوصها عمقاً تاريخياً، وكأن الوجوه مستلة من جداريات أثرية أعيد بعثها برؤية حديثة.
وفي سيميائية اللون والرمز، يبرز التضاد اللوني كمحرك درامي في أعمالها؛ فبين الألوان الترابية والأرجوانية الصامتة، تبرز "قفزات لونية" (كالقطط الخضراء والصفراء) لكسر الرتابة. المرأة هنا هي "المركز"، تظهر في حالات من الصمت أو "التعددية الهرمية" التي تشير إلى تراكم الخبرات الشعورية.
وفي اشتغالها على السريالية، تضع آل طالب شخوصها داخل "صناديق" أو "رفوف"، وهي استعارة بصرية قوية للتنميط الاجتماعي والحصار النفسي، معززة برموز تشبه "الباركود" للدلالة على تسليع الإنسان. وتحرص كذلك على وحدة الوجود البصري، إذ تمتاز تكويناتها بالعضوية، حيث يذوب الجسد في الخلفيات المزخرفة بالزهور، مما يعكس حالة من التناغم مع الطبيعة والخصوبة، في حين تظل العيون المغمضة مؤشراً على "الاغتراب الجميل" والبحث عن الذات في عالم مزدحم بالساعات والقيود.
على المقلب الآخر، يقدم النحات هيثم حسن "سردية رمزية للجسد"، متجاوزاً الكتلة الصلدة نحو نحت "الحالة" الشعورية والميثولوجية، حيث يستلهم الروح الرافدينية بعمق؛ فاستخدام "القرون" كتاج للجسد ليس مجرد زينة، بل هو إحالة لآلهة سومر وبابل والثيران المجنحة، كرموز للقوة والسيادة الروحية. كالتحول الصوفي، فهو يدمج بين البشري والحيواني أو الطيري، مما يمنح منحوتاته طابعاً صوفياً يوحي بحالة "عروج" أو تحول من المادة إلى الروح.
إن معرض "كائنات منسابة" هو اشتغال فني يجمع بين "الأصالة التقنية" و"الحداثة الفكرية". فبينما كانت مهدية آل طالب تفك شفرات الروح الأنثوية عبر "مونولوجات بصرية"، كان هيثم حسن يعيد صياغة فلسفة الجسد المعاصر عبر ذاكرة الرافدين، ليشكلا معاً تجربة بصرية تتجاوز الحدود الجغرافية نحو فضاء إنساني أرحب.









