ترجمة حامد أحمد
تناول تقرير لمنظمة «بوابة العون» الدولية (Aid Gate Organization)، المعنية بمساعدة المجتمعات المتضررة، التحديات المرتبطة بالمناخ والتدهور والتلوث البيئي جراء أنشطة القطاع النفطي في محافظة البصرة، وتأثير هذه التحديات المباشر على المجتمعات المحلية وقدرتها على الصمود، وما يتعلق بأمنها الغذائي والصحة العامة والتماسك المجتمعي، وذلك عبر تقييم شامل في أقضية رئيسية في المحافظة ومركز البصرة، أُجري بين كانون الأول 2025 وكانون الثاني 2026، أظهر أن محافظة البصرة تقف في الخط الأمامي لأزمة العراق المناخية والبيئية، معتبرًا إياها من أكثر مناطق البلد هشاشة في مواجهة تغير المناخ.
وأشار التقرير إلى أن اجتماع تسارع تغير المناخ مع عقود من التدهور البيئي، وشح المياه، وارتفاع نسبة الملوحة، وأنشطة استخراج النفط المكثفة، أدى إلى فرض ضغوط غير مسبوقة على النظم البيئية وسبل العيش والاستقرار الاجتماعي في المحافظة. وتمثل البصرة اليوم إحدى أكثر المناطق هشاشة بيئيًا في البلاد، حيث يعيد التفاعل بين النشاط البشري والأنظمة الطبيعية الهشة تشكيل النسيج الاجتماعي والاقتصادي لمجتمعات بأكملها.
لم يعد تغيّر المناخ في البصرة قضية نظرية أو تهديدًا مستقبليًا؛ بل أصبح واقعًا معاشًا. فارتفاع درجات الحرارة، وتفاقم موجات الجفاف، وتراجع الإنتاجية الزراعية، والتلوث المرتبط بالأنشطة الصناعية وقطاع النفط، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر في دخول الأسر، والأمن الغذائي، والصحة العامة، والتماسك المجتمعي. وقد أدى الأثر التراكمي لهذه الضغوط إلى إضعاف القدرة على الصمود وزيادة مستويات الهشاشة، لا سيما بين المزارعين، والعمال في القطاع غير المنظم، والأسر ذات الدخل المحدود.
وقد أُجري التقييم في عدد من الأقضية الرئيسية في البصرة، وهي: شط العرب، والزبير، وأبو الخصيب، ومركز البصرة، لضمان التنوع الجغرافي والتمثيل السياقي، وتضمن إجراء 1,096 استبيانًا أسريًا.
وفي وقت تتصاعد فيه المخاطر المناخية عالميًا، تبرز حالة البصرة الحاجة الملحّة إلى استجابات متكاملة ومتعددة القطاعات. وتهدف نتائج هذه الدراسة إلى دعم إصلاح السياسات القائمة على الأدلة، وبرامج التكيف المناخي، واستراتيجيات الانتقال الاقتصادي المستدام، وتعزيز الأطر التنظيمية. أظهر معظم المشاركين، بنسبة 53%، أنهم لاحظوا تغيرات ملموسة في مناخ البصرة خلال العقد الماضي. وشملت هذه التغيرات اختلافات في أنماط درجات الحرارة، وتحولات في الأحوال الجوية، وتغيرات في الظواهر البيئية. في المقابل، أشار 28% من المشاركين إلى أنهم لم يلاحظوا أي تغيرات واضحة في مناخ البصرة خلال الفترة الماضية، ما يعكس شريحة من السكان إما لم تدرك هذه التحولات المناخية أو لم تتأثر بها بشكل مباشر.
وأفاد المشاركون بأن التغير المناخي الذي شهدته البصرة خلال الفترة الماضية كان ذا تأثير كبير بنسبة 100%. ومن بين أبرز العوامل المرتبطة بهذه التغيرات: ارتفاع درجات الحرارة، والتلوث، وقلة الأمطار، وارتفاع نسبة الرطوبة، والتصحر، وزيادة الملوحة، والجفاف.
وتُعد هذه العوامل من أبرز الأسباب التي ساهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، أشار 74% من المشاركين إلى تزايد موجات الحر من حيث التكرار والشدة، مؤكدين الآثار السلبية لظواهر الحرارة القصوى على الصحة العامة، والبنية التحتية، والإنتاجية. كما ذُكرت تغيرات أنماط هطول الأمطار (68%) وازدياد حالات الجفاف (58%) بوصفها تحديات بارزة، وهو ما يعكس اضطرابات في توفر المياه، والإنتاج الزراعي، واستقرار النظم البيئية. علاوة على ذلك، أشار المشاركون إلى تحديات مهمة أخرى مثل التأثيرات على الزراعة والأمن الغذائي (38%) والآثار السلبية على الصحة العامة (42%).
وتؤكد هذه النتائج الطبيعة المتعددة الأبعاد للتحديات المرتبطة بالمناخ، وانعكاساتها على قدرة المجتمعات على الصمود والتكيف. في المقابل، أفاد 2% فقط من المشاركين بعدم وجود تحديات مناخية محددة، مما يشير إلى وجود تباينات في التصورات والتجارب داخل المجتمع. برزت ندرة المياه وتدهور الأراضي كتحديات بيئية حرجة، مما يسلّط الضوء على الحاجة الملحّة إلى اعتماد استراتيجيات متكاملة لإدارة الموارد المائية، وإجراءات للحفاظ على التربة، ومبادرات لتخطيط استخدام الأراضي، وذلك لمواجهة آثار تغيّر المناخ، والتدهور البيئي، وممارسات إدارة الأراضي غير المستدامة، وما تسببه من تأثيرات سلبية على الإنتاجية الزراعية وقدرة المجتمعات على الصمود.
تُعدّ الزراعة حجر الزاوية في اقتصاد البصرة ونظامها الغذائي، إذ توفر فرصًا أساسية لكسب العيش ومصادر للدخل، فضلًا عن الإمداد الغذائي الضروري للمجتمعات في مختلف أنحاء المحافظة. وباعتبارها مساهمًا رئيسيًا أو مهمًا في تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، تؤدي الزراعة دورًا حيويًا في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان، وخلق فرص العمل، ودعم سبل العيش في المناطق الريفية، والمساهمة في الازدهار الاقتصادي العام وتعزيز قدرة المنطقة على الصمود.
وكما أفاد المشاركون في الاستطلاع، فإن التأثير المتصوَّر لشركات النفط العاملة في البصرة على البيئة والمناخ المحليين كان ملحوظًا.
أعربت الغالبية العظمى من المشاركين (58%) عن أن شركات النفط كان لها تأثير سلبي كبير على البيئة المحلية في البصرة. ويعكس هذا الشعور مخاوف تتعلق بالتلوث، وتدمير المواطن الطبيعية، وغيرها من أشكال التدهور البيئي الناتجة عن استخراج النفط والأنشطة المرتبطة به. برز تلوث الهواء الناتج عن انبعاثات الغاز واحتراق الوقود، والذي يتسبب في الإصابة بالأمراض، باعتباره أبرز مصدر قلق، حيث أشار إليه 38% من المشاركين. ويُبرز ذلك المخاطر الصحية الكبيرة الناجمة عن تلوث الهواء المرتبط بعمليات النفط، بما في ذلك أمراض الجهاز التنفسي وغيرها من الآثار الصحية السلبية التي تصيب السكان المحليين.
كما أشار 16% من المشاركين إلى قرب المصافي من المناطق السكنية وتأثيرها السلبي على المجتمعات المحلية. ويعكس ذلك مخاوف بشأن المخاطر المحتملة للعيش بالقرب من المنشآت النفطية، بما في ذلك تلوث الهواء والضوضاء، فضلًا عن مخاطر السلامة الناجمة عن الحوادث الصناعية. أما فيما يتعلق بمستوى وعي المشاركين بالمبادرات أو الممارسات البيئية التي تتخذها شركات النفط في البصرة للحد من تأثيرها على المناخ والبيئة، فقد أظهرت البيانات أن غالبية المشاركين، بنسبة 81%، غير مدركين لأي مبادرات أو ممارسات بيئية محددة تنفذها شركات النفط في البصرة. ويشير ذلك إلى وجود فجوة كبيرة في التواصل أو الشفافية فيما يتعلق بالجهود التي تبذلها شركات النفط لمعالجة المخاوف البيئية وتقليل تأثيرها على البيئة والمناخ المحليين.
وتوصي المنظمة الدولية بضرورة تطبيق قوانين حماية البيئة بصرامة، مع الاستثمار في التقنيات الخضراء وتشجيع اعتماد تقنيات مستدامة وصديقة للبيئة في قطاع النفط، للتقليل من الأثر البيئي مع الحفاظ على الإنتاجية الاقتصادية وتعظيم الفوائد للمجتمعات المحلية.
عن «ريليف ويب» الدولي.









