ميسان / مهدي الساعدي
يرجّح ناشطون في محافظة ميسان عدم تفعيل إعلان الهيئة الوطنية للاستثمار القاضي بتحويل منطقة الطيب شرق المحافظة إلى مدينة اقتصادية، ويعزون ذلك إلى إخفاقات سابقة في تنفيذ مشاريع أُعلن عنها، وفي مقدمتها ملف الحفاظ على أهوار المحافظة، رغم إدراجها ضمن لوائح اليونسكو.
ويقول الناشط البيئي مرتضى الجنوبي لصحيفة "المدى": "عشنا تجربة إدخال الأهوار إلى لائحة التراث العالمي في اليونسكو عام 2016، ورأينا الإعلام الحكومي والتقارير التي تناولت تحويل الأهوار إلى منطقة اقتصادية وسياحية عالمية واستثمارية، وبالنتيجة تحولت الأهوار إلى حقول نفطية بعد تجفيفها على مدار سنوات مضت، لذا أعتقد بعدم وجود اهتمام فعلي بتحويل الطيب إلى ما أُعلن عنه".
وكانت الهيئة الوطنية للاستثمار أعلنت في وقت سابق من شهر شباط الحالي عن "استثمار مرتقب بقيمة 65 مليار دولار في جزيرة الطيب الحدودية في ميسان، يهدف إلى تحويلها إلى مدينة اقتصادية".
ونقلت تقارير صحفية تصريحات رئيس الهيئة حيدر مكية، تابعتها صحيفة "المدى"، جاء فيها أن "الطيب مدينة اقتصادية متعددة الخدمات تقع على مساحة أكثر من 120 ألف دونم، وقيمة الاستثمارات فيها تتجاوز الـ65 مليار دولار، منها 5 مليارات للبنى التحتية والطرق والكهرباء والمجاري وغيرها، كونها تملك وفرة من الموارد الطبيعية التي تمكّن المدينة من النجاح من حيث المياه والتلال والوقود وغيرها من المصادر الطبيعية مثل الرمل والحصى، وهناك وفرة من المصادر الطبيعية التي يمكن إنشاء مدينة بهذا التخصص".
من جهتهم، أوضح متخصصون في الشأن الاقتصادي أن المدن الاقتصادية تُعد من الأساليب الحديثة لتنويع مصادر الاقتصاد واستقطاب رؤوس الأموال. وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي أسامة التميمي لصحيفة "المدى" أن "المدن الاقتصادية أساليب حديثة بدأت الكثير من دول العالم باتباعها بهدف تنويع مصادر الاقتصاد، وخلق فرص عمل ووظائف للشباب، وتبادل الخبرات العلمية، وتطوير المهارات، واستقطاب رؤوس الأموال، وخلق بيئة مناسبة للابتكار والبحث والتطوير، وتوفير فرص التنمية المستدامة، كما تساعد على إقامة مجمعات مدنية جديدة تخفف الزخم عن مراكز المدن، ويرتبط بها بنى تحتية وخدمات في مجالات النقل والاتصالات والطاقة وخدمات المياه والصرف الصحي".
في المقابل، يرى متابعون للشأن المحلي أن الإعلان عن مدينة اقتصادية في الطيب قد يتعارض مع إعلانها سابقًا كأول محمية طبيعية في البلاد. ويقول محمد جواد، وهو متابع للشأن المحلي الميساني، لصحيفة "المدى": "الجزيرة منطقة واسعة جدًا تقع محاذية للحدود الإيرانية، والطيب إحدى مناطقها، وهناك الفكة الجنوبي والشمالي وأبو زركان وأبو غرب وأبو جريبيعات والبجلية وأم سيل والزبيدات وغيرها من المناطق الأخرى، وعدم تسمية المناطق المقصودة بذاتها يبيّن وجود عدم رؤية حقيقية، كما استُهدفت تلك المنطقة سابقًا في إعلان مشاريع بيئية تحت مظلة دولية، منها إعلانها محمية طبيعية تحت إشراف الأمم المتحدة".
ويضيف: "رغم كل تلك المشاريع التي لا يتجاوز تنفيذها سقف الإعلان عنها، لا تزال تلك المناطق تعاني من وجود ملايين الأجسام والمخلفات الحربية، بينها ألغام وصواريخ تهدد حياة المدنيين من أبناء تلك المناطق، تعود إلى عهد الحرب العراقية الإيرانية، على الرغم من مرور أكثر من 35 عامًا على انتهائها، ولم تتحرك أي مساعٍ حقيقية لتطهير تلك المناطق منها".
وكان وزير البيئة جاسم الفلاحي، بمعية ممثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمدير الإقليمي لمكتب غرب آسيا سامي ديماسي، أعلن في شهر مارس من عام 2022 عن محمية الطيب كأول محمية طبيعية في العراق، معلنًا افتتاح مركز نظم المعلومات البيئية في العراق، الممول من مرفق البيئة العالمية، والذي سيسهم في إتاحة المعلومات والبيانات البيئية لوزارة البيئة في العراق. كما أعلن الوزير الموافقة على تمويل المشروع (GEF 7) بقيمة 4.5 مليون دولار، والذي سيتم تنفيذه بالشراكة بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة – مكتب غرب آسيا ووزارة البيئة العراقية.
وسبق أن نقلت صحيفة "المدى"، في تقارير صحفية سابقة، تصريحات لمراقبين للشأن الاقتصادي في المحافظة بشأن مشروع منطقة الطيب البيئية، جاء فيها: "يبقى مشروع إنشاء مدينة الطيب السياحية حلمًا يراود أبناء المحافظة، رغم إعلانها أكثر من مرة باسم محمية السلام، ومن ثم محمية الطيب، ولكن دون جدوى، ويعلم الجميع المكاسب الاقتصادية التي ستحققها مدينة سياحية ترفيهية في جزيرة الطيب، كونها معلمًا جنوبيًا جيدًا سيسهم في تحريك القطاع الخاص ويكون مركزًا للجذب السياحي، يمتلك كل المقومات الأساسية".
ورغم تأكيد مختصين في الاقتصاد أهمية اتباع أسلوب المدن الاقتصادية لتشجيع دخول الاستثمارات الخارجية، يوضح الخبير أسامة التميمي لصحيفة "المدى" أن "المشروع سيتم تمويله على مراحل، تبدأ بتخصيص 5 مليارات دولار من القيمة الإجمالية لتطوير الخدمات الأساسية المهمة وإقامة قاعدة وبنى تحتية أسوة بتجربة ميناء الفاو، لتشجع على دخول الاستثمارات الخارجية ورؤوس الأموال المحلية والعربية للمساهمة في تنفيذ المشاريع والنشاطات الاقتصادية المختلفة، والعراق بحاجة إلى العديد من هذه المشاريع والمدن الاقتصادية بحسب توفر الموارد المتاحة والأساسية ضمن خطة التنمية، لاسيما أن البلاد تتميز بوفرة الموارد، وهذه المشاريع ضمن خطة طريق التنمية على أمل جلب رؤوس أموال لتنفيذ النشاطات، بشرط إدارة مشروع المدن الاقتصادية بشكل علمي ومهني ونزاهة عالية بعيدًا عن أيدي الفاسدين".
ويضيف: "بالتأكيد ستسعى الشركات للاستفادة من التسهيلات والإعفاءات، وهذا الأسلوب لجأت إليه الكثير من الدول التي تحتضن مكاتب ومصانع العديد من الشركات العالمية، فعلينا العمل لاستقبال الشركات الرصينة وفق قوانين ملائمة للمرحلة الاقتصادية محليًا وعالميًا، واستقطاب شركات، منها على سبيل المثال الهاتف النقال والإلكترونيات وصناعة السيارات وغيرها من الصناعات المختلفة، وإقامة مصانع في العراق لتقليل كلف الإنتاج واستغلال الموقع الجغرافي لقربه من الأسواق العالمية، خصوصًا الأسواق الأوربية عبر العراق".
إلا أن ناشطي المحافظة يرون في الإعلان عن مدينة اقتصادية في الطيب "حبرًا على ورق"، في ضوء ما أفرزته السنوات العشرون الماضية. ويقول الناشط مرتضى الجنوبي لصحيفة "المدى": "أعتقد أن موضوع الإعلان عن مدينة اقتصادية لا يتعدى كونه حبرًا على ورق، لأن الجهات المختصة لا تمتلك منذ عشرين عامًا أو أكثر رؤية للنهوض بالواقع الصناعي والاقتصادي أو تنويع مصادر الدخل، وهل يُعقل بعد كل هذه السنين تنفيذ مشاريع مشابهة، وهل يُعقل أن تقوم الحكومة بصرف مبالغ كبيرة من أجل إعادة بناء منطقة الطيب واستثمارها وتحويلها إلى منطقة متعددة المهام، رغم أنها جزء من المناطق الطبيعية في البلاد".
الاستثمارات حائرة في جزيرة الطيب.. محمية طبيعية أم مدينة اقتصادية؟!

نشر في: 25 فبراير, 2026: 12:27 ص








