بغداد/ تميم الحسن
أحبط نوري المالكي ما وُصف داخل الأوساط السياسية بـ«الانقلاب السياسي» عليه، رغم اتساع جبهة المعارضين الشيعة لتوليه منصب رئيس الوزراء.
وعاد «الإطار التنسيقي» إلى مربع الانتظار، مترقباً إما تنازل المالكي، أو ما يسميه بعض المقربين بـ«مصل أميركي» يُبطل مفاعيل تغريدة دونالد ترامب السابقة بحقه.
وكان التحالف الشيعي على وشك عقد اجتماع مساء الاثنين لاستبدال المالكي، غير أن الأخير ظهر في مقابلة صحفية، معلناً رفضه القاطع الانسحاب.
وغاب المالكي عن الاجتماع، الذي انتهى ببيان بروتوكولي تجنّب الخوض في ملف رئاسة الوزراء العالق منذ نحو 100 يوم.
المالكي غاضباً
قبل أيام، وفي جلسة بعيدة عن الإعلام ضمّت جزءاً من قوى التحالف الشيعي، أبدى المالكي انزعاجه الشديد حين طُرحت فكرة «عودة محمد السوداني».
وينقل قيادي في أحد أحزاب «الإطار» لـ(المدى) تفاصيل ما جرى، قائلاً إن المالكي «غضب وأكد أن السوداني فقد حقه عندما تنازل».
وبحسب القيادي، شدد المالكي على أن التحالف القائم – في إشارة إلى حزب الدعوة وفريق السوداني – يضم 81 مقعداً الآن، وأنه رئيس هذا التحالف.
وتزامنت تلك الأجواء مع تسريب معلومات من أوساط رئيس حكومة تصريف الأعمال، عن تعهد سابق قطعه المالكي للسوداني، يقضي بانتقال المنصب إليه في حال تعثر انتخاب المالكي لرئاسة الحكومة.
وكرر هذا الطرح بهاء الأعرجي، رئيس كتلة السوداني في البرلمان، وآخرون من الفريق نفسه.
غير أن أحمد المبرقع، النائب الذي شغل مقعد المالكي في البرلمان، نفى وجود مثل هذا التعهد.
ومع ذلك، عُدّت هذه التسريبات بداية لما سُمّي «انقلاباً سياسياً» داخل التحالف الشيعي خلال اليومين الماضيين، قبل أن يُخفف الوصف إلى «مراجعة» لموقف السوداني من تنازله، على خلفية تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتحدثت تسريبات عن مراجعات مماثلة صدرت من هادي العامري، زعيم منظمة بدر، لينضم «المراجعون» إلى المواقف السابقة الرافضة لترشيح المالكي، التي عبّر عنها كل من عمار الحكيم (تيار الحكمة)، وقيس الخزعلي (عصائب أهل الحق).
وكان من المفترض أن تُتوَّج هذه التحركات باجتماع الاثنين، الذي قيل إنه سيُنهي أزمة تشكيل الحكومة ويعيد المنصب إلى السوداني، إلا أن ذلك لم يتحقق.
«ورقة طهران»
لا يُعرف على وجه الدقة سبب إخفاق «الإطار» في جلسة منزل همام حمودي، زعيم المجلس الأعلى، في تغيير المالكي، رغم اتساع جبهة المعارضين.
لكن قيادياً شيعياً، طلب عدم الكشف عن اسمه، قال لـ(المدى) إن «الجميع يخشون المالكي ويخافون من تصدّع المجموعة الشيعية».
وجاء بيان «الإطار» عقب الاجتماع ليؤكد التمسك بـ«وحدة الإطار التنسيقي»، ويدعو القوى الكردية إلى تقديم مرشح لرئاسة الجمهورية، من دون التطرق صراحة إلى أزمة رئاسة الوزراء.
وكان المالكي قد التقى حمودي قبل اجتماع الاثنين – الذي أُجّل مرتين الأسبوع الماضي – وأكد الطرفان، بحسب بيان مكتب حمودي، على «وحدة الإطار التنسيقي». ويُعد حمودي من الشخصيات التي تقف في موقع وسطي بين معسكري المؤيدين والمعارضين للمالكي.
ويتداول في أروقة «الإطار» أن المالكي يحظى بدعم طهران، التي ما زالت تستخدمه كورقة ضغط في ملف التفاوض مع واشنطن، رغم تراجع نفوذها في بغداد بعد أحداث "7 أكتوبر".
«الزواج الكاثوليكي»
ضمن معسكر المعارضة الشيعية للمالكي، طُرحت تساؤلات بشأن وجود «وثيقة رسمية» تؤكد توقيع قادة «الإطار» على ترشيح زعيم دولة القانون لرئاسة الحكومة.
وأثار حسين الشيخاني، عضو المكتب السياسي لـ«عصائب أهل الحق»، هذه المسألة، فيما قالت عالية نصيف، المحسوبة على فريق السوداني، إن «الكرد لن يكلفوا رئيس وزراء من دون وثيقة».
وبحسب الدستور في المادة (76)، فإن «رئيس الجمهورية يكلّف مرشّح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية».
وخلال الـ100 يوم التي أعقبت انتخابات العام الماضي، حاول التحالف الشيعي استحصال فتوى من النجف أو موقف من مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، ضد المالكي، لكن تلك المحاولات لم تُثمر.
وفي 24 كانون الثاني، أعلن «الإطار التنسيقي»، بحضور الخزعلي وبقية المعارضين، ترشيح المالكي رسمياً.
ويقول عضو في منظمة بدر لـ(المدى) إن «لا وجود في عرف الإطار لتوقيع وثيقة تكليف، فالاجتماعات سرية، والقرارات تصدر عبر بيانات، وجميع القوى الشيعية كانت حاضرة وباركت للمالكي».
ونفى المصدر وجود انشقاق بين العامري والمالكي، مؤكداً أن «الزواج الكاثوليكي» بين الطرفين ما زال قائماً، في إشارة إلى وصف سابق استخدمه زعيم منظمة بدر لطبيعة العلاقة مع «دولة القانون».
«لن أتنازل أبداً»
ويضيف عضو «بدر» أن المالكي تلقى «إشارات إيجابية» بعد زيارة وفد من حزب الدعوة إلى إقليم كردستان. كما اعتبر أن توقيع عقد نفطي مع شركة «شيفرون» الأميركية قد يكون محاولة للحصول على موقف أميركي مغاير، أو على الأقل تغريدة جديدة من ترامب تنفي السابقة.
وبرأيه، لا يوجد حل سوى انتظار «تغريدة إيجابية» من الرئيس الأميركي، أو إعلان المالكي انسحابه، وهو خيار يرفضه الأخير بشكل قاطع.
ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» مساء الاثنين، أكد المالكي أنه لن يسحب ترشيحه لرئاسة الحكومة «أبداً»، مشدداً على تمسكه بحصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب تؤكد عليه الولايات المتحدة أيضاً.
وقال: «نعم، هناك ضغوط من الجانب الأميركي، ووصلت رسائل متعددة استقرت في الآونة الأخيرة على مطالب تخص الدولة».
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وصف المالكي الشهر الماضي بأنه «خيار سيئ للغاية»، ملوحاً بوقف دعم العراق في حال عودته إلى السلطة.
وتشير مصادر سياسية إلى أن ارتياح المالكي في حديثه عن تمسكه بالترشيح يرتبط بتمديد المهلة الأميركية، التي كان يُفترض أن تنتهي الأحد الماضي، إلى الجمعة المقبلة.
وكان وزير الخارجية فؤاد حسين قد تحدث، في وقت سابق، عن رسالة شفوية تتضمن تلميحات بإمكانية فرض عقوبات على العراق إذا استمر ترشيح المالكي.
وقالت عالية نصيف، في مقابلة تلفزيونية، إن توماس باراك، الذي زار بغداد الاثنين ولم يلتقِ المالكي، «كرر اعتراض ترامب على ترشيحه».









