كتب جاسم الحلفي
لم تكن الصداقة عندي يوماً حساب سنوات تُحصى، بل مواقفَ تختبر. ومع ذلك، فإن صداقتي مع (أبو داود) امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، ثلاثون عاماً لم تكن زمناً عابراً، بل مساراً مشتركاً من الذاكرة والموقف والاختبار. رافقته عن قرب. كنت من بين أقرب مساعديه. عشت قريباً منه في شقلاوة في التسعينات، ثم سكنت معه في بغداد قرابة عشرة أعوام بعد 2003.
لم تكن تلك رفقة عمل سياسي فحسب، بل مدرسة حياة. كان أستاذاً لي، تعلمت منه المثابرة في متابعة أدق تفاصيل العمل السياسي، والقدرة على التحليل بهدوء وسط عواصف الانفعال، وأن السياسة ليست خطابة واستعراض مواقف، بل إدارة معرفة ومسؤولية قرار.
كان أخاً أكبر وأستاذاً متواضعاً، وفي الوقت ذاته ملهماً. نزيهاً، عفيفاً، طيباً وكريماً. عرفت عنه إنساناً بهياً في حضوره، نظيف اليد، عفيف اللسان، لغة محببه، لا يجرح في خصومة، ولا يساوم في مبدأ.
إذا تحدثتُ عن مواقفه السياسية واتجاهه الفكري، فأنا لا أستعير شهادةً من العاطفة، فأبو داود قال كلمته علناً في لقاءاته التلفزيونية، وكتبها بوضوح في مقالاته، ونقشها في سيرته الممتدة على دروب كفاحٍ مضن. لم يلن أمام بطش، ولم ينحن لجلادٍ أو مستبد، ولم يتاجر بموقف ساعة اشتد السوق على الضمائر.
اجتهد كثيراً، وعمل فكرياً بإصرار من يعرف أن الفكرة مسؤولية، وأن الكلمة موقف. كان طيب القلب في السلم، صلباً في الشدة، يمضي بخفة الروح نفسها التي يعرفها أصدقاؤه، وبالصلابة ذاتها التي يعرفها خصومه. كانت حياته تاريخاً من المآثر والأمثلة الملهمة، لا بطولاتٍ مصطنعة، بل مواقفَ يومية صغيرة تراكمت حتى صارت سيرة.
لم يتعامل مع القيادة كمنصب يُزين الاسم، بل كعبء يختبر الضمير، كان يرى أن الشرعية لا تستمد من الكلمات، بل من اتساق السلوك مع المبادئ، وأن القيادة امتحان دائم للنزاهة قبل أن تكون موقعاً في التنظيم.
تعلمت منه الكثير، تعلمت ان الصداقة تقاس بالجوهر لا بالمدة، وحين يكون الإنسان أكبر من السنوات التي عبرها، وأبقى من المواقع التي شغلها.
كيف يمكن للغة أن تسعف القلب في لحظةٍ كهذه؟ ماذا يكون شعورك وأنت ترتبط بصديقٍ بقامة حميد مجيد موسى، ثم تزوره للمرة الأخيرة، فتجده في مواجهةٍ صامتة مع المرض، فيما تقف أنت عاجزاً إلا عن أن تمسك يده وتبتلع غصتك؟
كان المرض الخبيث قد صعد وتيرة هجومه الرهيب، ينهش الجسد بإصرار قاس، لكن ما لم يستطع أن يناله هو تلك الروح التي عرفناها. رأيته كما عرفته دائماً، رقيقاً، كريماً، طيباً، وفي الوقت نفسه صلباً، صامداً، يواجه الألم بكرامة نادرة. لم أسمع منه آهة شكوى، ولم أرَ في عينيه انكساراً، كأنه قرر أن يخوض معركته الأخيرة بالطريقة ذاتها التي خاض بها كل معاركه: بصمت شجاع، وبوقار يربك الوجع.
اقف امامه وانا مثقلاً بالعجز، مثقلاً بذلك السؤال الذي لا جواب له، كيف يكون الإنسان قوياً إلى هذا الحد حتى وهو يتآكل؟ وكيف يعلمنا، في لحظات ضعفه الجسدي، معنى الصبر ومعنى الكبرياء؟
في زيارتي الأخيرة له، لم يكن المرض هو الحاضر الأكبر. كان الحاضر هو الإنسان. الإنسان الذي ظل أكبر من الألم، وأكبر من النهاية نفسها.












جميع التعليقات 1
سلام فضيل
منذ 2 ساعات
اتمنى للاستاذ حميد مجيد السلامة وان يعود بتلك ابتسامته وله خالص التقدير