TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نشر في: 25 فبراير, 2026: 09:35 م

كتب جاسم الحلفي

 

لم تكن الصداقة عندي يوماً حساب سنوات تُحصى، بل مواقفَ تختبر. ومع ذلك، فإن صداقتي مع (أبو داود) امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، ثلاثون عاماً لم تكن زمناً عابراً، بل مساراً مشتركاً من الذاكرة والموقف والاختبار. رافقته عن قرب. كنت من بين أقرب مساعديه. عشت قريباً منه في شقلاوة في التسعينات، ثم سكنت معه في بغداد قرابة عشرة أعوام بعد 2003.

 

لم تكن تلك رفقة عمل سياسي فحسب، بل مدرسة حياة. كان أستاذاً لي، تعلمت منه المثابرة في متابعة أدق تفاصيل العمل السياسي، والقدرة على التحليل بهدوء وسط عواصف الانفعال، وأن السياسة ليست خطابة واستعراض مواقف، بل إدارة معرفة ومسؤولية قرار.

 

كان أخاً أكبر وأستاذاً متواضعاً، وفي الوقت ذاته ملهماً. نزيهاً، عفيفاً، طيباً وكريماً. عرفت عنه إنساناً بهياً في حضوره، نظيف اليد، عفيف اللسان، لغة محببه، لا يجرح في خصومة، ولا يساوم في مبدأ.

 

إذا تحدثتُ عن مواقفه السياسية واتجاهه الفكري، فأنا لا أستعير شهادةً من العاطفة، فأبو داود قال كلمته علناً في لقاءاته التلفزيونية، وكتبها بوضوح في مقالاته، ونقشها في سيرته الممتدة على دروب كفاحٍ مضن. لم يلن أمام بطش، ولم ينحن لجلادٍ أو مستبد، ولم يتاجر بموقف ساعة اشتد السوق على الضمائر.

 

اجتهد كثيراً، وعمل فكرياً بإصرار من يعرف أن الفكرة مسؤولية، وأن الكلمة موقف. كان طيب القلب في السلم، صلباً في الشدة، يمضي بخفة الروح نفسها التي يعرفها أصدقاؤه، وبالصلابة ذاتها التي يعرفها خصومه. كانت حياته تاريخاً من المآثر والأمثلة الملهمة، لا بطولاتٍ مصطنعة، بل مواقفَ يومية صغيرة تراكمت حتى صارت سيرة.

 

لم يتعامل مع القيادة كمنصب يُزين الاسم، بل كعبء يختبر الضمير، كان يرى أن الشرعية لا تستمد من الكلمات، بل من اتساق السلوك مع المبادئ، وأن القيادة امتحان دائم للنزاهة قبل أن تكون موقعاً في التنظيم.

تعلمت منه الكثير، تعلمت ان الصداقة تقاس بالجوهر لا بالمدة، وحين يكون الإنسان أكبر من السنوات التي عبرها، وأبقى من المواقع التي شغلها.

 

كيف يمكن للغة أن تسعف القلب في لحظةٍ كهذه؟ ماذا يكون شعورك وأنت ترتبط بصديقٍ بقامة حميد مجيد موسى، ثم تزوره للمرة الأخيرة، فتجده في مواجهةٍ صامتة مع المرض، فيما تقف أنت عاجزاً إلا عن أن تمسك يده وتبتلع غصتك؟

 

كان المرض الخبيث قد صعد وتيرة هجومه الرهيب، ينهش الجسد بإصرار قاس، لكن ما لم يستطع أن يناله هو تلك الروح التي عرفناها. رأيته كما عرفته دائماً، رقيقاً، كريماً، طيباً، وفي الوقت نفسه صلباً، صامداً، يواجه الألم بكرامة نادرة. لم أسمع منه آهة شكوى، ولم أرَ في عينيه انكساراً، كأنه قرر أن يخوض معركته الأخيرة بالطريقة ذاتها التي خاض بها كل معاركه: بصمت شجاع، وبوقار يربك الوجع.

 

اقف امامه وانا مثقلاً بالعجز، مثقلاً بذلك السؤال الذي لا جواب له، كيف يكون الإنسان قوياً إلى هذا الحد حتى وهو يتآكل؟ وكيف يعلمنا، في لحظات ضعفه الجسدي، معنى الصبر ومعنى الكبرياء؟

 

في زيارتي الأخيرة له، لم يكن المرض هو الحاضر الأكبر. كان الحاضر هو الإنسان. الإنسان الذي ظل أكبر من الألم، وأكبر من النهاية نفسها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. سلام فضيل

    منذ 2 ساعات

    اتمنى للاستاذ حميد مجيد السلامة وان يعود بتلك ابتسامته وله خالص التقدير

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

 علي حسين قبل اشهر من هذا التاريخ خرج علينا ائتلاف دولة القانون ليعلن أن تحركات السفارة الأمريكية في العراق مخالفة للعرف الدبلوماسي، وقبلها اخبرنا السيد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في حوار...
علي حسين

قناطر: البصرة: مالك النخل والناطور

طالب عبد العزيز ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم...
طالب عبد العزيز

المشكلات البيئية والدورة النيابية السادسة في العراق

د.كاظم المقدادي كشفت الدورة النيابية السادسة ( الحالية) خلال تشكيل لجانها النيابية الدائمة، بأنها لا تختلف عن سابقاتها من حيث الموقف السلبي من المشكلات البيئية وتداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وهو ما يستوجب تذكير...
د. كاظم المقدادي

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

د. حيدر نزار السيد سلمان تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم...
حيدر نزار السيد سلمان
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram