رشيد الخيّون
لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي سبأ» موزعين على القارات السبع، بعدها تأتي المفارقة ليتسنم رئيس الجمهوريّة العراقيَّة السَّابق المنصب الأممي الرفيع لإدارة شؤون اللاجئين والنازحين في العالم، ومِن حسن حظ برهم صالح أن هذا المنصب لا يخضع لمنطق المحاصصة، بل تحكمه معايير الكفاءة والخبرة والقبول الدولي؛ ومن المؤكد أن منافسين كُثراً من دول مختلفة سعوا إليه، ليناله مَن هو مِن بلادٍ وقوم الأكثر لجوءاً بين الأمم.
قد يُقال إن برهم صالح كردي فلماذا أشرت إليه بالعراقيّ، وحجتي وحجة غيري أنَّ الرجل تسلّم أعلى المناصب في الدولة العراقية: رئاسة الجمهورية، ونائب رئيس الوزراء ببغداد. فهل يُعرّف اليوم بصفته القومية أم بصفته الوطنية؟ ولو كان عربياً أو تركمانياً أو آشورياً، هل كنا سنسلبه صفة «العراقي»؟
لقد عرف الكرد، شأنهم شأن بقية العراقيين، معنى النزوح والاقتلاع، وعرفوا الجبال ملاذاً، والحرب قَدَراً، والانقسام الداخلي سجيةً، خصوصاً عند صراع الحزبين الكردستانيين (الدّيمقراطي والاتحاد/ أربيل والسليمانيَّة) في منتصف التسعينيات مِن القرن الماضي. وكان برهم صالح شاهداً عليها ومشاركاً فيها، وقد أصبح رئيس وزراء حكومة السليمانيَّة، وعندها تعرّض لمحاولة اغتيال. لذا فإن وصوله إلى منصب يتعلّق بأكبر أزمة إنسانية عالمية، إدارة شؤون أكثر من 122 مليون لاجئ ونازح حول العالم، له دلالته الرّمزيَّة.
لسنا بصدد تقييم تجربة الدكتور برهم في رئاسة الجمهورية العراقية، ونيابة رئيس الوزراء، ولا تحميله مسؤولية ما آلت إليه أوضاع العراق، فصلاحيات منصب الرئاسة مقيدة ضمن الدستور، بينما كانت محاصصة الكتل السياسية الفاعل الأوسع تأثيراً. لكن من الإنصاف القول إنه حاول أن يمنح الرئاسة حيويةً وحضوراً، ضمن المستطاع.
الأهم من ذلك كله نرى أن هذا التعيين، وأقصد المفوضية السامية لاجئين في الأمم المتحدة، هو تقدير للعراق قبل أن يكون تكريماً لشخصه، صحيح منح المنصب لشخصه وما به من قدرات، لكنه اعتراف أيضاً ببلاده، وهو البلد الذي خرج منه ملايين اللاجئين، ليخرج مِن بينهم من يدير شؤونهم على مستوى العالم.
لكن اللافت للنظر ليس الحدث نفسه، بل في الصمت الذي استقبله، بينما دولٌ كثيرة تفخر إذا عُيّن أحد أبنائها موظفاً بسيطاً في مؤسسة دولية، أو عضواً في برلمان أجنبي، أما أن يتسلّم عراقي منصباً أممياً سامياً بهذا الحجم، فلا يكاد يُذكر إلا عابراً، وأشير هنا إلى مقال كتبه لاجئ عراقي آخر، استشعر اللجوء ومراراته منذ السبعينيات. أقول ربما لأننا اعتدنا رؤية أنفسنا في المحن والأزمات فقط، وربما لأن الانقسام الداخلي، ليس داخل العراق فحسب بل وبإقليمه كردستان، ما زال يحجب عنها إنجازاً مثل هذا.
أتذكر بعد عام 2003 أنني سألت شاباً كردياً: من أين أنت؟ فقال: من كردستان. قلت: أعرف، لكن من أي البلاد؟ قال: من كردستان. ولما سألني، قلت: أنا من العراق، ورئيسي جلال الطالباني. فقال: وأنا رئيسي جلال الطالباني؛ عندها فقط تنبّهنا أننا من دولة واحدة.
يتكرر المشهد مع منصب «المفوض السامي» لرئيس العراق السابق: هل نراه منصباً لكردي؟ أم لعراقي؟ أم لإنسان خرج من تجربة اللجوء ليقف في موقع إدارتها دولياً؟ إنه اختبارٌ جديد لمعنى الانتماء الوطني.
اشتهر لقعنب بن أمِّ صاحب (96 هج): «إِنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحاً مِنِّي/ ومَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا/ صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِهِ/ وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا» (شرح حماسة أبي تمام)؛ والاستشهاد بقنعب لا يخص فوز برهم صالح في الأمم المتحدة، إنما صار سجية في الخلافات بين العراقيين، الصَّمت عن النَّجاح المؤكد، وفتح الأفواه للمستراب غير المؤكد.










