حسن الجنابي
يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا دجلة والفرات خط الفصل بين هذين التكوينين الطبيعيين، ويحتضنان بين ضفتيهما أراضي خصبة وحقولاً وبحيراتٍ ومسطحاتٍ مائية وأهواراً أسهمت في انطلاق أولى الحضارات البشرية قبل أكثر من خمسة آلاف عام.
ورغم ما عُرف عن العراق من ثراء مائي تاريخي، فإن الصحراء تغطي نحو ثلثي مساحته، بينما يطاول التصحر اليوم أجزاء واسعة من الثلث المتبقي، مهدداً خصوبة الأرض ومقلصاً إنتاجيتها، وزاحفاً باتجاه خط الغطاء الأخضر والتربة الخصبة غربي الفرات.
والصحراء، مثلها مثل الأهوار العراقية، تمثل قيمة بيئية واقتصادية وثقافية كبيرة إذا ما أُحسن التعامل معها واستُثمرت مواردها بشكل مستدام، فهي عنصر أساسي في التوازن البيئي وفي حركة العناصر الطبيعية على سطح التربة. وهي تتميّز بسيادة المناخ الجاف، وتباين درجات الحرارة بين الليل والنهار، ونشاط الرياح والعواصف الغبارية، وحركة الكثبان الرملية. لكنها، في المقابل، تشهد أحياناً سيولاً وفيضانات موسمية متباعدة تسهم في تجدد الحياة البرية والغطاء النباتي، وتغذية المياه الجوفية، وانتعاش الواحات والعشب وغير ذلك.
وبالنتيجة فالصحراء نظام إيكولوجي طبيعي، وليست فراغاً خالياً من الحياة كما يتصوَّر البعض، بل بيئة غنية بالتنوع الأحيائي، تضم نباتات وحيوانات برية وتفاعلات طبيعية متكاملة، تعتمد في استمرارها على توازن داخلي وقدرة على التجدد. وهي، في ذلك، تشبه أنظمة بيئية أخرى كالأراضي الرطبة والسواحل ومصبات الأنهار والغابات الاستوائية، حيث تتكامل حلقات الحياة ضمن منظومات قادرة على الاستمرار ما دامت مدخلاتها الطبيعية مستقرة وبعيدة عن التدخل البشري العنيف.
ولذلك لا تشكل الصحراء خطراً على العراق وبيئته المتنوعة، بل على العكس تماماً فهي تغني التنوع الاحيائي وفيها ثروات وموارد كثيرة، فضلاً عن دورها الكبير في تربية المواشي والأغنام والجِمال دون الحاجة الى صرفيات مادية حكومية، خاصة إذا كانت مواسم الشتاء والربيع ممطرة.
أما التصحر، فهو ظاهرة مختلفة تماماً، تتمثل في تحوّل الأراضي الخصبة أو الرعوية في المناطق الجافة إلى أراضٍ متدهورة أو قاحلة، بفعل النشاط البشري أو التغير المناخي.
والتصحر في جوهره حالة قصوى من تدهور التربة، تفقد معها قدرتها الإنتاجية وخصوبتها الحيوية، وتتحول إلى بيئة غير قادرة على دعم الحياة البشرية أو النشاط الاقتصادي. وعندما تستفحل ظاهرة التصحر، تتراجع خدمات الأنظمة البيئية، ويتهدَّد الأمن الغذائي والمائي، وتفقد المجتمعات الريفية مصادر عيشها، فتدخل في دوامة الفقر والهجرة القسرية والنزوح نحو مناطق أخرى قد لا تكون أقل هشاشة. وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع التغيرات المناخية، التي تتجاوز قدرة المجتمعات الهشة على التكيف معها، خصوصاً تلك التي تعتمد في معيشتها على الأمطار الشحيحة والموارد الطبيعية المحدودة.
ما يميز التصحر أيضاً هو أنه عملية مستمرة في التوسع، عابرة للحدود والقارات، ولا يمكن الحد منها إلا بإجراءات ميدانية واسعة تتناسب مع حجم التحدي الذي تمثله على المستوى العالمي، مثلما يحصل في أفريقيا والصين ومنغوليا على سبيل المثال.
فقد بات وضحاً بأن أبرز التحديات البيئية التي تواجه البشرية تتمثل في ثلاث مسارات مترابطة: التصحر، والتغير المناخي، وفقدان التنوع الأحيائي. وكان ذلك الدافع إلى إطلاق الاتفاقيات الدولية الرئيسية لمعالجة القضايا المتعلقة بالمسارات الثلاث، وهي اتفاقيات مثلت نقلة نوعية في التعامل مع التحديات البيئية العالمية بوصفها قضايا تنموية وإنسانية وأمنية في آن واحد.
انضم العراق إلى الاتفاقيات البيئية الثلاث ولكن أهميتها على الساحة الوطنية والسياسية متراجعة. وبالنسبة الى اتفاقية مكافحة التصحر فهي تتضمن الزاماً قانونياً باتخاذ التدابير اللازمة للحد من تفشي الظاهرة نظراً لأنها ترتبط مباشرة بمشكلات الفقر والنزوح والتدهور الاقتصادي في البلاد. فقد ثبت من التجارب أن الوقاية من التصحر أقل كلفةً بكثير من محاولة استصلاح الأراضي بعد تعرضها للتصحر وتدهورها، لأن الأضرار التي تحدث في الأراضي تكون في غالب الأحيان دائمية، ومنها فقدان خصوبة التربة أو تفكك المجتمعات المحلية أو انقراض التنوع الأحيائي.
إن تقلص الغطاء الأخضر وازدياد كثافة العواصف الترابية أصبحا تهديداً مباشراً للصحة العامة، ولمصادر الرزق، وللاستقرار الاجتماعي، ويسرّعان وتيرة الفقر والهجرة من الأرياف، ويقوضان التنوع الأحيائي والاقتصاد المحلي.
ومن هنا فإن الإجراءات الوقائية الميدانية لمكافحة التصحر تمثل استثماراً استراتيجياً في استقرار المجتمع والدولة، يسهم في تقليل الفقر، والحد من النزوح والهجرة، وتوفير فرص عمل، وتعزيز الأمن الغذائي والاقتصادي.
العراق بحاجة ماسة إلى برنامج وطني رصين لمكافحة التصحر، يتجاوز المعالجات المؤقتة، ويعتمد على رؤية تنموية متكاملة تربط بين البيئة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. فالتصحر في العراق بات تحدياً يرتبط بمستقبل الدولة وقدرتها على حماية مواردها وسكانها في عالم يتغير مناخياً واقتصادياً بوتيرة متسارعة.
إن التصحر تهديد وجودي تراكمي ومدمر، ومن الواضح بأن العراق يخسر معركته في هذا الميدان. حتى إجازات البناء التي تمنحها الحكومات المركزية والمحلية تخصص لها الأراضي الزراعية الخصبة والقريبة من الأنهار، والمستغلة منذ مئات السنين من قبل السكان، فيجري تجريفها تحت أعين مؤسسات حكومية، كما جرى في منطقة بحر النجف التي انتشرت صور كثيرة عن استباحتها بغرض استثمارها في البناء.










