TOP

جريدة المدى > سينما > ديما الحر تكمل توثيقاً قديماً: أرواح هائمة عند شواطئ بيروت

ديما الحر تكمل توثيقاً قديماً: أرواح هائمة عند شواطئ بيروت

نشر في: 26 فبراير, 2026: 12:03 ص

قيس قاسم
قبل 20 عاماً، دفع الفضول السينمائي المخرجة اللبنانية ديما الحر إلى الاقتراب من شبابٍ يتشمّسون على صخرة، قبالة شاطئ بحر بيروت. بدوا لها من الكورنيش كأنّهم كائنات ثابتة لا تتحرّك، فقرّرت إنجاز وثائقي عنهم. في اليوم التالي، عادت إلى المكان نفسه لمعاينته، ومن دون مقدمات، اقترب منها شاب طويل مقدّماً نفسه لها: «أنا رضا».
عن رضا، والرجال الممدّدين على صخرة الساحل، أنجزت حينها «البحر الأزرق في عينيك». هذا ترويه الحر في مفتتح جديدها، «والأسماك فوق رؤوسنا تطير» (2025)، عن رضا، الذي وجدته بعد 20 عاماً على لقائها الأول به، ثابتاً في المكان نفسه، فتمضي معه وبقية أصدقاء له، اتّخذوا من البحر وساحله عالماً لهم، يحتمون بعزلتهم فيه من قسوة مدينة، تركت حروبها وويلاتها فيهم ندوباً جسدية ونفسية لا تمحى، ولتُكمِل ما بدأته قبل عقدين، تغيرت فيهما بيروت كثيراً، لكنها لا تزال كما كانت: مدينة تولّد أوجاعاً وأحزاناً، أما بحرها وساحله فيظلّان مأوى مشاعاً للهاربين منها.
بتعليقها الصوتي، تُضفي الحر عذوبة وشاعرية على صورة تعتني بها كثيراً. وبتداخلهما، تخلق مناخاً سينمائياً مشبعاً بالمشاعر المرهفة، الناقلة دواخل شخصيات قلقة، قليلة الكلام، إذ تميل إلى الصمت، وتركن إلى الهدوء. التعليق عندها ليس تستراً على شحّ في التعبير البصري. على عكس ذلك، إنّه مُكمّل له، ومن داخل نسيجه. هذا يضفي على حركة شخصياتها الرئيسية (رضا وقاسم وعادل) وتعابيرها مسحة إنسانية. لكل واحد منهم دوافعه للمكوث طويلاً عند الساحل. السباحة في مياه البحر، بالنسبة إليهم، جزء مُكمّل من وجودهم الملتبس في المكان، ودافع لهم إلى البحث في مبرّراته، والمعنى الكامن فيه.
رضا، المقيم الدائم والمحبوب بين رواد المكان، سباح ماهر، يجيء من المدينة إلى البحر لينسى همومه، ويركن إلى ذاته. البحر ينقذه من جنون يكاد يصيبه، كلما فكر بالذي يجري في بلده، أو حين يتذكر خسارة أخ فَقَده في الأيام الأولى لاندلاع الحرب الأهلية. قاسم الصموت، عطّلت ساقه رصاصة قنّاص، كما عطّله تفجير ميناء بيروت عن العمل. بطالته وإعاقته الجسدية تجبرانه على العيش في بيت أخيه. لاعتبارات دينية، لا يرضى الأخ اختلاءه بزوجته في بيته، في أثناء غيابه. يجبره هذا على الخروج نهاراً، والعودة مساءً. قاسم الجبلي لا يحب البحر كثيراً، لكنه يتآلف معه، ويعامله كمُضيف نهاري كريم، ينسيه خساراته، ومنها توقّفه عن كتابة مذكراته، احتجاجاً بعد ضياع دفتر مذكراته مع دراجته النارية الصغيرة (سكوتر)، التي سُرقت منه. يظل عادل مؤقّتاً في وجوده على الساحل. يمضي يوم إجازته من العمل كلّه في المكان نفسه الذي علّمه فيه رضا السباحة. الهروب من ثقل العمل في المشفى، وما يراه من مشاهد مؤلمة من جراء ما يحصل في المدينة من تفجيرات وتصادمات عنيفة، يتحقّق عند اللحظة التي ينتمي فيها إلى المكان الذي يحبه، ويتمنى أن يبقى فيه العمر كله: البحر.
تربط ديما الحر توثيق وجود شخصيات فيلمها (السيناريو والصوت والتوليف لها، إلى جانب الإخراج) بالحاصل في البلد. تأتي إلى هذا بطرق ملتوية. لا تريد وضع نفسها طرفاً مباشراً وسط المجموعة، التي يكفي الحاصل لها، برسم صورة معتمة للبنان ومستقبله. تحشر بتعمّد الأرقام في سياق النص، لتذكر بها الجاري في البحر والبر: يقطع رضا من بيته إلى الشاطئ أكثر من 50 كلم أسبوعياً، و2688 كلم سنوياً. يعرف تلك الطريق ويحفظها عن ظهر قلب. مع هذا، لا تعني المسافات له أكثر من مجرد دروب تفضي إلى المكان الذي يجد ذاته وراحته فيه.
كم ألف مهاجر يغرق يومياً في بحر بيروت؟ كم مئات اللبنانيين راحوا لحظة انفجار مرفأ بيروت؟ أرقام تأتي في سياق سرد شفهي شاعري، تتداخل مع بعضها لتخلق حالة ذهنية، تتطلب تأملاً من سامعها بمدلولاتها. هذا ربما ما يريد رضا وصديقاه التهرب منه. التذكير بها موجع ومحزن لهم، لكنه مهم ومُغْنٍ للنص السينمائي. الصورة المتكرّرة، العميقة والواسعة، للبحر، تفتح مجازاً للخيال.
في مفاتحة عفوية، يعبّر رضا عن خجله من الاختلاط بالنساء، وخوفه من المقبل. في مناماته، يرى العالم منقلباً. السماء تحت، والمياه وكل ما فيها من أسماك فوق رؤوس البشر. هذا أحد المشاهد الجميلة في الوثائقي، المتخيل للعنوان ـ الحلم.
مُنجز ديما الحر رائع في اشتغالاته الفنية والتعبيرية. الأجمل فيه شخصياته الحلوة، المتوافقة مع عزلتها الحزينة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مع انطفاء أضواء مهرجان برلين.. تحول حفل الختام إلى منصة سياسية بامتياز

رحيل الممثل روبرت دوفال

ديما الحر تكمل توثيقاً قديماً: أرواح هائمة عند شواطئ بيروت

مقالات ذات صلة

بينيثو ديل تورو عندما انجز قصصأ من هافانا
سينما

بينيثو ديل تورو عندما انجز قصصأ من هافانا

ترجمة: عباس المفرجي بينيثو ديل تورو يشترك مع ستة مخرجين آخرين انجز « سبعة أيام في هافانا» انطلوجيا تطأ خطا رفيعا بين الدعاية والفنية في التدافع في سبيل العون المالي، حتى أكبر مخرجي الأفلام...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram