TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

نشر في: 26 فبراير, 2026: 12:05 ص

 علاء المفرجي

لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات عميقة تهز جوهر الفن السينمائي: من علاقة الفيلم بزمنه، إلى مفهوم التلقي، وصولًا إلى معنى أن يكون العمل "سينمائيًا" أصلًا.
تقدّم نتفليكس نفسها بوصفها منقذًا: منصة منحت الفرصة لمشاريع رفضتها الاستوديوهات، وفتحت الأبواب أمام سينما غير سائدة. غير أن هذا الخطاب، عند التمحيص، يخفي نزعة احتكارية ناعمة. فالمنصة لا تنتج بديلاً عن النظام القديم بقدر ما تبني نظامًا أكثر شمولًا وهيمنة.
حين موّلت فيلم الايرلندي للمخرج مارتن سكورسيزي، بدا الأمر انتصارًا للفن على حساب السوق. لكن المفارقة أن الفيلم نفسه عُزل عن شرطه الطبيعي: القاعة السينمائية، الزمن الجماعي، والطقس الثقافي للمشاهدة. ما كسبه الفيلم إنتاجيًا، خسره وجوديًا.
أكبر ضربة وجّهتها نتفليكس للسينما ليست تقنية، بل رمزية. فبتطبيع المشاهدة المنزلية بوصفها الشكل الأساسي للتلقي، نزعت عن السينما أحد أركانها التاريخية: الاجتماع. الفيلم لم يعد حدثًا يُنتظر، بل محتوى يُستهلك بين حلقة وأخرى، أو يُؤجَّل إلى "وقت لاحق" قد لا يأتي.
الصدام مع مهرجانات مثل كان لم يكن تعنّتًا محافظًا كما صُوِّر، بل دفاعًا عن فكرة السينما بوصفها تجربة جمعية. نتفليكس لم تسعَ إلى التوفيق بين الشكلين، بل فرضت منطقها: إمّا العرض بشروطها، أو الانسحاب. وهنا يتجلّى منطق القوة لا منطق الشراكة.
إذا كانت الرقابة في الماضي سياسية أو أخلاقية، فإن الرقابة اليوم رقمية. خوارزميات نتفليكس لا تمنع الأفلام، لكنها تحدد ما يُنتج، وما يُروَّج، وما يُدفن في القوائم. النجاح لم يعد مرتبطًا بالقيمة الفنية، بل بمؤشرات المشاهدة، وسرعة الاستهلاك، وقابلية العمل للتداول.
هذا التحول يطرح سؤالًا خطيرًا: هل ما نراه هو نتيجة ذائقتنا، أم نتيجة ما تقترحه الخوارزمية علينا باستمرار؟ في هذا النموذج، يصبح المخرج شريكًا غير مرئي لآلة إحصائية، ويُدفع – بوعي أو من دونه – إلى تبسيط الإيقاع، وتكثيف الحبكة، وتجنب الغموض.
السينما، التي قامت تاريخيًا على المخاطرة، تجد نفسها اليوم مروَّضة تحت شعار "ما ينجح عالميًا". تتباهى نتفليكس بعولمة السينما، بعرض أعمال من ثقافات متعددة. لكن هذا التنوع، في كثير من الأحيان، تنوع شكلي. فالأفلام "المحلية" تُعاد صياغتها وفق قالب عالمي قابل للهضم: إيقاع محدد، دراما مباشرة، وشخصيات قابلة للتعاطف السريع.
النتيجة ليست احتفاءً بالاختلاف، بل تدجينه. السينما غير الناطقة بالإنجليزية تدخل السوق العالمية، لكن بعد أن تتخلى عن جزء من غرابتها، خصوصيتها، وإيقاعها الثقافي الخاص. هكذا تتحول العولمة من تبادل إلى تسوية قسرية.
حين فاز فيلم روما للمخرج الفونسو كورون بجوائز كبرى، منها ترشيحات وفوز في الاوسكار، اعتُبر ذلك تتويجًا لنتفليكس. لكن في العمق، كانت تلك الجوائز محاولة من المؤسسة السينمائية التقليدية لاحتواء الوافد الجديد، لا الاعتراف الكامل به.
الجوائز منحت نتفليكس شرعية رمزية، لكنها في الوقت نفسه شرعنت نموذجًا إنتاجيًا قد يقوّض مستقبل السينما كفن جماعي. السؤال هنا: هل كسبت السينما بدخول نتفليكس إلى ساحة الجوائز، أم خسرت آخر خطوط دفاعها الرمزية؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

 علي حسين قبل اشهر من هذا التاريخ خرج علينا ائتلاف دولة القانون ليعلن أن تحركات السفارة الأمريكية في العراق مخالفة للعرف الدبلوماسي، وقبلها اخبرنا السيد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في حوار...
علي حسين

قناطر: البصرة: مالك النخل والناطور

طالب عبد العزيز ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم...
طالب عبد العزيز

المشكلات البيئية والدورة النيابية السادسة في العراق

د.كاظم المقدادي كشفت الدورة النيابية السادسة ( الحالية) خلال تشكيل لجانها النيابية الدائمة، بأنها لا تختلف عن سابقاتها من حيث الموقف السلبي من المشكلات البيئية وتداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وهو ما يستوجب تذكير...
د. كاظم المقدادي

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

د. حيدر نزار السيد سلمان تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم...
حيدر نزار السيد سلمان
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram