واسط / جبار بچاي
شهدت قاعة الإدارة المحلية في مدينة الكوت عرض مسرحية «صَبْرَة»، في تجربة مسرحية قدّمت نفسها بوصفها رؤية جمالية جديدة على مسرح واسط، عبر اشتغال بصري وحركي استند إلى الطقس الراقص التعبيري، وحوّل الحركة إلى فعل شعائري يستحضر الذاكرة الجمعية ويستدعي البعد الروحي للمعاناة الإنسانية. وقدّم العمل نخبة من الشباب الذين يخوضون تجربتهم الأولى بدافع شغفهم بالمسرح.
المسرحية من سيناريو وإخراج أحمد نجم، الذي أسّس وقاد عدة فرق مسرحية، أبرزها فريق «دريم أكس»، الذي يضم مجموعة من الشباب من كلا الجنسين، وسبق أن قدّم أعمالاً مسرحية حاز أغلبها جوائز متعددة.
وقال نجم إن «صَبْرَة» عمل مسرحي يؤسس لرؤية جمالية جديدة داخل المشهد المسرحي في واسط، موضحاً أن العرض لم يكن تقليدياً، بل اعتمد على بنية الكولاج بوصفها تقنية درامية تقوم على تفكيك السرد الخطي وإعادة تركيبه عبر صور متجاورة تتنامى دلالياً لا زمنياً، ما منح العرض طابعاً بصرياً قائماً على الانتقالات الإخراجية المتواترة التي تستند إلى الإيقاع الداخلي أكثر من الحكاية.
وأضاف أن «الجسد مارس طقسه الخاص داخل فضاء مشحون بطاقة رمزية عالية، في اشتغال يقترب من مفهوم المسرح الطقسي الذي يزاوج بين الإيقاع والحركة والإنشاد البصري، ليصنع حالة جمعية تتجاوز حدود التلقي التقليدي».
وتابع أن العمل نهض على الروح الجماعية والتدريب الصارم، والاعتماد على التكوين الجسدي واللوحة الحركية بوصفهما عماداً للعرض، وهو ما تجسد في الانضباط الإيقاعي وبناء الصور الجماعية ذات الوعي التشكيلي، حتى أن الموسيقى لم تكن خلفية سمعية، بل بنية درامية موازية.
وأوضح أن الموسيقى التي رافقت العرض من تأليف الفنان العراقي الشاب منتظر كريم، بمشاركة أحمد تركي، شكّلت عنصراً مولداً للمعنى، يقود التحولات المشهدية ويصوغ الإيقاع الداخلي للطقس الراقص التعبيري، ويمنح الانتقالات الكولاجية وحدة شعورية متماسكة.
وأشار إلى أن الثيمة اشتغلت على تضحيات المرأة عبر صور متتابعة تكثّف معنى الصبر بوصفه فعلاً وجودياً لا حالة عابرة، مبيناً أن الجسد في المسرح الصامت كان الحامل الأول للعلامة، مستحضراً تنظيرات أنطونان أرتو في «مسرح القسوة» من حيث مركزية الجسد والصوت غير اللفظي، كما يلتقي مع أطروحات غروتوفسكي في «المسرح الفقير»، حيث يتحول الممثل إلى محور الخلق المسرحي بعيداً عن فائض التقنيات التي يفتقر إليها المسرح الذي عُرضت عليه التجربة.
وقال إن العرض كان ثمرة تضافر جهود واضحة، إذ أنتجه وقدّمه فريق «دريم أكس» للسينما والمسرح، وتحت إشراف نقابة الفنانين العراقيين فرع واسط، في دعم مؤسساتي يعزز حضور الحركة المسرحية في المحافظة ويعكس تكامل الفعل الثقافي مع الفضاء المجتمعي.
وأكد أن «مسرحية صَبْرَة» تمثل بداية لمسار يتشكل داخل المشهد الواسطي، يؤمن بأن الخشبة فضاء طقسي تعبيري قادر على إعادة إنتاج الأسئلة الكبرى عبر الجسد والموسيقى والصورة. وجاء العرض صامتاً، معتمداً على الصورة والجسد والإيقاع، ليجسد مسيرة تضحيات المرأة عبر مختلف الأزمات، كما تناول أزمة النظرة الذكورية الرافضة لإنجاب الإناث. من جانبها، قالت مسؤولة قسم الفنون المسرحية في نقابة الفنانين بالمحافظة لينا رشيد إن «مسرحية «صَبْرَة» مثّلت تجربة أولى ناضجة، اتسمت بالوعي الفني والانضباط الأدائي، وحققت تفاعلاً ملحوظاً وإشادة واضحة من الجمهور، وكشفت عن جيل مسرحي واعد يمتلك أدواته التعبيرية، ويحسن توظيفها ضمن رؤية متماسكة».
وأضافت أن أداء الممثلين تميز بصدق الإحساس ودقة الحركة وانسجام الأداء الجماعي، ما أسهم في بناء عرض متكامل رسّخ أثره في المتلقي، وأكد أن المسرح فعل ثقافي مسؤول يقوم على الالتزام والإبداع، مشيدة بفريق العمل، مع تقدير خاص إلى الفنانة «رفاه» لما قدمته من أداء متزن ومؤثر كان له أثر واضح في نجاح العرض.










