بغداد – تبارك عبد المجيد
منذ ما يقارب الشهر تعيش إحدى بنايات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي - هيئة البحث العلمي في الجادرية على وقع أزمة صامتة، بدأت بسوء استخدام مادة كيميائية داخل أحد المختبرات، وانتهت، وفق روايات موظفين، بتلوث واسع النطاق وأعراض صحية مقلقة، وسط إنكار رسمي ومحاولات احتواء شكلية.
بحسب مصدر مطلع رفض الكشف عن هويته، فإن أحد الموظفين تعامل مع مادة كيميائية دون معرفة طبيعتها أو مخاطرها، لتتحول البناية خلال فترة قصيرة إلى بيئة ملوثة برائحة نفاذة لا تحتمل. المادة وُصفت لاحقًا على أنها “مادة كيميائية مجهولة”، إلا أن العاملين داخل المبنى يؤكدون أنها مادة سامة يُشتبه في كونها مسرطنة.
مع تصاعد الشكاوى، وصلت لجنة فنية مختصة من الوزارة لمعاينة الموقع وفحص المادة، غير أن توصياتها، بحسب المصدر، لم تُنفذ، ولم يصدر قرار واضح بإيقاف العمل أو إخلاء البناية بشكل كامل، بل استمر الدوام اليومي وكأن شيئًا لم يكن.
لم تعد الرائحة في الممرات والمختبرات مجرد إزعاج، بل تحولت إلى تهديد صحي مباشر، حيث سُجلت عشرات الحالات بين الموظفين، شملت احتقانًا حادًا في الحنجرة، تقيؤًا متكررًا، احمرارًا وتورمًا في العينين، إضافة إلى تغيرات واضحة في الصوت والحبال الصوتية. كما أن بعضهم لم يعد قادرًا على التحدث بشكل طبيعي، وآخرين اضطروا لمغادرة مواقع عملهم لساعات بسبب الاختناق.
الأثر لم يتوقف عند حدود البناية. الرائحة التصقت بملابس الموظفين، بأجسادهم، وحتى بمقتنياتهم الشخصية، في مؤشر خطير على مدى انتشار التلوث. ومع ذلك، ظل العاملون يُجبرون على البقاء داخل مختبراتهم، في محاولة لإظهار أن الوضع مسيطر عليه.
وفقًا للمصدر، فإن الخطر يتمثل بعدم اعتراف الجهة التي أجرت التجربة الكيميائية باستخدام مادة خطرة، ولا بكيفية التخلص منها. وتدور مخاوف جدية من أن المادة جرى تصريفها بطريقة خاطئة، ربما عبر مجاري الدائرة.
وبيّن المصدر أن الإدارة لجأت إلى حل مؤقت وُصف بالترقيعي، تمثل بنقل الموظفين إلى بناية أخرى ووضعهم داخل قاعة محاضرات، دون معالجة علمية حقيقية للموقع الأصلي، حيث اقتصر التدخل على استخدام منظفات عادية، لا تتناسب، بحسب المصدر، مع طبيعة التلوث الكيميائي المحتمل.
حتى اليوم، لا تزال البناية الملوثة قائمة، ولا يزال الموظفون يعيشون بين الخوف من المجهول والقلق على صحتهم، في انتظار إجراء حاسم يكشف حقيقة المادة، ويضع حدًا لتهديد السلامة المهنية والبيئية على حد سواء.
يقول مختص في السلامة المهنية حيدر نوري إن “التعامل مع مادة كيميائية مجهولة دون معرفة الخصائص والمخاطر المتوقعة يُعد إهمالًا شديدًا ومخالفة صارخة لمعايير السلامة المهنية الدولية”.
وبالحديث عن الأعراض، يبين لـ”المدى” أن “احتقان الحنجرة، تورم وتهيج العين، وتغيرات في الصوت وصعوبة التنفس، تشير إلى تعرض مباشر لمادة سامة قد تكون مسرطنة أو ذات آثار صحية سيئة طويلة المدى”.
واقترح نوري أن يتم إيقاف العمل في المبنى فورًا، وإجراء تحليل مختبري دقيق للمادة لتحديد طبيعتها وخطورتها، والتخلص منها بطريقة علمية وآمنة وفق بروتوكولات النفايات الكيميائية الخطرة، وتهيئة المبنى بالكامل قبل إعادة أي نشاط. كما شدد على ضرورة متابعة طبية دقيقة لجميع الموظفين الذين تعرضوا للمادة، لضمان الكشف المبكر عن أي مضاعفات صحية.
وشدد بالقول: “تجاهل هذه الإجراءات يعرض حياة الموظفين للخطر، ويشكل انتهاكًا صريحًا لقوانين الصحة والسلامة المهنية، ويجب أن يكون التحرك سريعًا وحاسمًا قبل أن تتفاقم الأضرار”.










