محمد الربيعي
(2-1 )
لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ العصور السومرية التي خطت أول الحروف، وصولاً إلى العصر العباسي الذي جعل من بغداد قبلة العالم العلمية. إن الوقوف السلبي على أطلال الماضي لم يعد كافياً لبناء مستقبل، واستبدال الحقائق المريرة بالشعارات العاطفية الرنانة عن «عبقرية الإنسان العراقي» دون توفير البيئة الحاضنة له، لم يزدنا إلا غرقاً في مستنقع التخلف التقني والتبعية العلمية المطلقة. لذا، تأتي هذه السطور كإسهام في، تنوير الطريق، للأجيال القادمة، ليس عبر تزييف الواقع أو تجميله، بل من خلال كشف العوائق البنيوية والمؤسساتية العميقة التي كبّلت نهضتنا وعطلت ماكنة العقل العراقي عن الدوران في جسد الدولة الحديثة.
إنني اؤمن يقيناً بأن معرفة أسباب الفشل هي أولى خطوات النجاح، وأن المصارحة القاسية هي أسمى أنواع الوطنية في زمن سادت فيه المجاملات السياسية المضللة. فمن دون تشخيص دقيق وعلمي للمحنة التي نمر بها، ومن دون تفكيك العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي جعلت من بلادنا بيئة طاردة للابتكار ومقبرة للطموح، ستبقى كل محاولات التغيير مجرد صرخات في وادٍ سحيق أو حرث في البحر. إن الهدف الجوهري هنا هو وضع خارطة طريق ذهنية للأجيال الشابة، ليفهموا طبيعة القيود المعقدة التي منعت آباءهم من اللحاق بركب التطور العالمي، عسى أن يمتلكوا هم الوعي الكافي والجرأة اللازمة لتحطيم هذه الأغلال وبناء عراق جديد لا يكتفي بدور المستهلك السلبي لتكنولوجيا الآخرين، بل يفرض نفسه كمنتج ومشارك في صنع الحضارة الرقمية الكونية.
أولاً: العلم كزينة اجتماعية لا كقاعدة بناء هيكلية
المشكلة الجوهرية التي تعيق انطلاقتنا تكمن في غياب الفلسفة الحقيقية للعلم في الوعي الجمعي والمؤسساتي، إذ لا يوجد تفهم حقيقي بأن العلوم هي العمود الفقري والقلب النابض لتطور الدول الحديثة، وليست مجرد برستيج بروتوكولي أو زينة تُجمل بها المؤسسات صورتها أمام المجتمع الدولي. في العراق، ساد مفهوم قاصر ومشوه يحصر قيمة العلم في الشهادة الأكاديمية بوصفها وجاهة اجتماعية (لقب دكتور أو أستاذ) أو مجرد ورقة قانونية لغرض الترقية الوظيفية وزيادة الراتب. لقد تحولت الجامعات، مع الأسف، من منارات للبحث العلمي والابتكار إلى مصانع ضخمة لإنتاج حملة شهادات يفتقر الكثير منهم إلى الحد الأدنى من المهارة التقنية التي يتطلبها القرن الحادي والعشرون، مما خلق فجوة هائلة بين ما يدرسه الطالب وبين ما يحتاجه الواقع المرير.
إن النهضة التكنولوجية الحقيقية تتطلب إيماناً مؤسساتياً راسخاً بأن المختبر هو الذي يجب أن يقود المصنع، وأن الأزمات الوطنية الكبرى – سواء كانت اقتصادية، بيئية، أو خدمية – لا تُحل بالخطابات الإنشائية، بل بالحلول التقنية المبتكرة القائمة على تحليل البيانات والبحث الرصين. ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح بجدارٍ من الغياب التام لهذا الوعي في مراكز صنع القرار، حيث لا تزال البلاد تُدار بعقلية المحاصصة المقيتة والولاءات الضيقة التي تختزل الوطن في غنيمة، وتغرق في وحل تصريف الأعمال اليومية، متجاهلةً عن عمدٍ أو جهل الضرورة القصوى للاستثمار الاستراتيجي في رأس المال البشري بوصفه النفط الحقيقي الذي لا ينضب.
أمثلة واقعية من قلب الأزمة:
معضلة الطاقة والكهرباء المزمنة: بينما تتسابق دول العالم نحو بناء شبكات ذكية (Smart Grids) وتوظيف الذكاء الاصطناعي لإدارة الأحمال وتوزيعها بكفاءة، يجد العراق نفسه أسيراً لقرارات مرتجلة تُفضّل الحلول المستوردة على بناء مراكز بحثية وطنية رصينة قادرة على إنقاذ قطاع الطاقة. ليس السبب عجزاً في العقل المحلي، بل لأن هذه العقود الخارجية تمثل القناة المثالية لاستنزاف الأموال وتحويلها إلى جيوب الفاسدين. والنتيجة الكارثية هي أن المناقصات، بعد أن تُنهب مواردها، تفقد القدرة على تمويل مشاريع جادة أو استيراد أجهزة متقدمة، فننتهي منظومات تقنية لا تصمد أمام التحديات، وببنى تحتية عاجزة عن إنتاج معرفة أو ابتكار، مما يكرّس حلقة مفرغة من الفشل التقني والتبديد المالي، ويُبقي العراق رهينة مختبرات وطنية متعثرة لا تواكب أبسط متطلبات العصر.
تآكل القطاع الصناعي والزراعي: بينما تستخدم دول العالم المتقدمة، تقنيات الزراعة الذكية القائمة على الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد، وتوظف علوم النانوتكنولوجي لتحويل الأراضي القاحلة إلى سلال غذاء كبرى، لا تزال مؤسساتنا الزراعية تقبع تحت رحمة تقنيات السبعينيات المتهالكة التي أكل عليها الدهر وشرب. الانفصام هنا يتخذ شكلاً مركباً، فبينما يعاني الطالب من مناهج دراسية متخلفة لا تزال تدرس مواضيع عفا عليها الزمن ولا تواكب القفزات الأكاديمية العالمية، تُصرّ الحكومة من جهة أخرى على تبني أساليب ري بدائية وسياسات زراعية تقليدية دون أي رؤية استراتيجية لربط ما يتبقى من فتات البحث العلمي بخطوط الإنتاج الزراعي. نحن أمام منظومة تعليمية تُخرج شباباً بمهارات منتهية الصلاحية تقنياً، ومنظومة تنفيذية تستورد تكنولوجيا هالكة مادياً، مما يجعل الحديث عن نهضة تكنولوجية في ظل هذا التضاد ضرباً من الخيال.
هدر الألقاب العلمية في البيروقراطية: يُحزننا أن نرى آلافاً من حملة شهادات الماجستير والدكتوراه في العلوم يعملون في وظائف إدارية روتينية، ككتابة الكتب الرسمية الصادرة والواردة أو الأرشفة اليدوية، بدلاً من انخراطهم في وحدات البحث والتطوير (R&D) التي تكاد تكون معدومة في وزاراتنا السيادية. هذا التوظيف الخاطئ يحول العلم من قوة منتجة للقيمة إلى عبء إداري ثقيل ومكلف على الدولة.
ثانياً: الفساد كمعول لهدم القيم العلمية والأكاديمية
الفساد في العراق ليس مجرد اختلاس أموال من خزينة الدولة أو رشاوي لموظفين صغار، بل هو سرطان قيمي وأخلاقي ضرب النخاع الشوكي للمؤسسة الأكاديمية والبحثية. إن أخطر أنواع الفساد هو ذلك الذي يتسلل إلى المحاريب العلمية، لأنه لا يسرق الحاضر المادي فقط، بل يغتال المستقبل عبر تدمير المعيارية وتزييف الوعي الجمعي. حين يصبح العلم سلعة تُباع وتُشترى في مزادات السياسة والمحاصصة، نكون قد أعلنا رسمياً وفاة أي أمل بنهضة تكنولوجية، فالتكنولوجيا هي ابنة الدقة، الأمانة، والشفافية، بينما الفساد هو ابن الزيف، التمويه، والفوضى.
لقد تحول الفساد الأكاديمي إلى منظومة تجهيل وتزييف منظمة، تتجاوز في خطورتها مجرد منح الألقاب والمناصب بناءً على الولاء الحزبي أو القرابة العائلية. إن الكارثة الحقيقية تكمن في أن هذه البيئة باتت تعاني من شحة حادة في المبتكرين الحقيقيين، فالمنظومة الحالية لا تكتفي بطرد الكفاءات، بل تمنع تشكلها أصلاً عبر تشجيع ثقافة الادعاء والتظاهر الكاذب. لقد خُلقت بيئة مشجعة للانتهازية العلمية، حيث يُكافأ من يتقن فن التزوير والسرقات الأدبية وادعاء المعرفة، بينما يُحاصر العقل التحليلي الجاد. هذا الواقع لم يترك الساحة شاغرة، بل ملأها بـ أشباه العلماء الذين يتقنون لغة الشعارات الأكاديمية وهم أبعد ما يكونون عن جوهر العلم، مما جعل المؤسسات العلمية مجرد مسارح للاستعراض الشكلي الذي يفتقر لأي أثر حقيقي على أرض الواقع.










