TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

نشر في: 1 مارس, 2026: 12:02 ص

سعد سلوم

بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد الإنسان المشرقي من أهليته السياسية والحداثية، وتحويل معاناته إلى سلع درامية أو دراسات أنثروبولوجية باردة.
إن التنميط الذي يمارسه الإعلام الغربي وتغذيه الأكاديميا الاستشراقية يعتمد على قاعدة ذهبية مضللة : أخفِ البيروقراطية، وأبرز الدماء. فتماما كما جرى في افريقيا اختزال تعقيدات الدولة في رواندا وتقديمها كصراع قبلي بدائي، متجاهلين أنها كانت تمتلك جهازا إحصائيا وبيروقراطيا فائق الدقة، يُعاد اليوم إنتاج السردية ذاتها في العراق وسوريا ولبنان لتجريد المأساة من سياقها السياسي.
يصور العنف في الحالة العراقية كأنه سمة جينية أو خلل بنيوي في الشخصية الوطنية، وذلك لغسل يد السياسات الدولية من آثار عقود من الهندسة الاجتماعية القسرية، وسياسات الحصار، والحروب الممنهجة التي فككت عرى المجتمع وأحالت تماسكه حطاما. بينما تبذل جهود حثيثة في الحالتين السورية واللبنانية لتحويل إبادة الحواضر وتدمير الذاكرة المدنية إلى مجرد نزاعات أهلية بين جيران كارهين، بدلا من رؤيتها كناتج حتمي لآلة عسكرية وبيروقراطية حديثة، أو ما يمكن تسميته بالحداثة القمعية.
تظهر هذه الرؤية بوضوح في الخطاب الدبلوماسي، حين يختزل المبعوث الأميركي تعقيدات المشرق وتاريخه المؤسساتي في وصفه كمجموعة قبائل متناحرة. هذا الاختزال ليس مجرد جهل أو احتقار للتركيبة الاجتماعية، بل هو تقنية لغوية تهدف إلى نزع صفة المواطنة عن الفرد السوري والعراقي واللبناني، وتحويله إلى عنصر قبلي خارج سياق الحداثة، وشرعنة العنف ضده بوصفه عنفا بنيويا داخليا، وتبرير فشل المنظومة الدولية في حمايته باعتبار أن القبيلة لا تفهم لغة المؤسسات التي يدعي الغرب حمايتها.
لم يكن القتل في بلداننا مجرد فوضى بريرية عفوية، بل كان عملية إدارية مُحكمة. فمنذ تجربة الحرس القومي في الستينيات، حين تحولت تصفية الشيوعيين والخصوم السياسيين إلى مهمة وظيفية تتم عبر قوائم وأرقام تسلسلية، وصولا إلى أروقة أجهزة الأمن العام، والمخابرات، والأمن الخاص، والاستخبارات العسكرية، لم يُقتل الضحايا في هياج قبلي أو ثأر شخصي، بل جرى إعدامهم بناء على كشوفات مطبوعة ومحاضر تحقيق بيروقراطية تضاهي في صرامتها سجلات مصلحة الضرائب في أكثر دول العالم تنظيما.
هذه المجزرة المؤرشفة لا تختلف في جوهرها عن آليات التصفية التي حللها الفيلسوف زيغمونت باومان في كتابه (الحداثة والهولوكوست)، حيث يتم تجريد الضحية من إنسانيتها عبر تحويلها إلى مجرد بند في سجل، ليصبح القاتل موظفا تقنيا، لا يرى في فعلته جريمة، بل إنجازا لمعاملة إدارية معلقة. كما تستحضر المجزرة أيضا وبوضوح أطروحة حنة أرندت حول تفاهة الشر في كتابها (إيخمان في القدس)، ففي تلك الأروقة الأمنية، لم يكن القتلة وحوشا كاسرة، بل كانوا بيروقراطيين بامتياز، أفرادا تخلوا عن قدراتهم النقدية لصالح الامتثال المطلق للأوامر. لقد تحول القتل في عهدهم إلى مجرد وظيفة روتينية، حيث يتم التعامل مع حياة البشر كأرقام في كشوفات، مما يؤكد أن أخطر أشكال العنف ليس ذاك الذي ينبع من الجنون، بل ذاك الذي يتم هندسته وتغليفه برداء النظام والمؤسسة.
كانت الدولة لدينا بحسب التعريف هي دولة منظمة سرية على حد تعبير حسن العلوي او جمهورية خوف على حد تعبير كنعان مكية او هي دولة متضخمة أو متورمة على حد تعبير نزيه الأيوبي أو دولة تسلطية على حد تعبير خلدون النقيب أو دولة متوحشة على حد تعبير ميشيل سورا، لكن العقل الغربي يصر على وسم الفظائع التي ارتكبتها هذه الدولة بالبربرية للتهرب من مسؤوليته الأخلاقية والقانونية تجاه بشر حداثيين يشبهونه في الأدوات ويختلفون عنه في المصير، مع إننا مع تعدد الأوصاف التي ذكرناها نحن أمام محصلة واحدة: ماكينة قتل عقلانية، تستخدم الأرشفة والبيروقراطية كأدوات للإبادة، مما ينفي عنها صفة الفوضى البدائية التي يحاول الغرب إلصاقها بنا.
لا تكتمل فصول الإبادة في منطقتنا بتدمير العمران والذاكرة المادية فحسب، بل تمتد لتشمل ما يمكن تسميته بالإبادة الثانية، وهي عملية ممنهجة لتصفية الرواية الوطنية عبر أدوات الثقافة والإعلام والسينما، من خلال مسارات تضليلية يعززها الإعلام وصناعة القوالب الجاهزة إذ تعمد كبريات المؤسسات الإعلامية الدولية إلى تعليب صراعاتنا السياسية والحقوقية المعقدة في قوالب سنية-شيعية أو طائفية-عرقية جاهزة للاستهلاك السريع. هذا التبسيط المتعمد يهدف إلى إظهار المشرق كمكان غير قابل للإصلاح بطبيعته، مما يبرر التدخلات الخارجية ليس كأفعال استعمارية، بل كمهمات إنقاذية أخلاقية لفض نزاعات بين بشر عاجزين عن التعايش.
كما تفتح أبواب النشر والجوائز العالمية على مصراعيها للروايات التي تركز على غرائبية المجتمع وتضخم بدائية التقاليد وقصص الاضطهاد الفلكلورية، بينما يُهمش ويُغيّب الأدب الذي يفكك آليات القمع السياسي الحديث، أو الذي يشرح كيف تُستخدم ماكينة الدولة لسحق الفرد وتفتيت إنسانيته.
أما المشهد السينمائي الغربي للمشرق فيُشبه العدسة التي لا ترى إلا الأنقاض، فالمصور الغربي لا يتوقف عند جثة طفلٍ ليوثق جريمة سياسية، بل ينتظر أن ينعكس ضوء الغروب على كومةٍ من الركام خلفه ليخلق جماليات بصرية تجعل من المأساة مشهداً فنياً قابلاً للجوائز. لقد جرى تحويلنا في السينما العالمية إلى مجرد خلفيات صفراء شاحبة مليئة بالأنقاض والبيوت المهدمة، حيث يتحول الإنسان المحلي (السوري، أو العراقي، أو اللبناني) إلى كومبارس عابر، أو إرهابي ملثم، أو ضحية صامتة بلا صوت. كل هذا التغييب يهدف إلى إفساح المجال أمام صراعات البطل الأجنبي النفسية وتأنيب ضميره الأخلاقي وهو يسير فوق جثثنا، وكأن مأساتنا ليست إلا مسرحاً لتطهير روح الغازي.
إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الرواية الوطنية لا يقتصر على الإعلام والسينما، بل يتجذر في البنية الفكرية لمراكز الأبحاث ومقررات الأكاديميات الغربية، ففي تلك الأروقة، تُنتج المعرفة التي تكرس مقولات الاستشراق الجديد وتُضفي عليها طابعا علميا رصينا. لقد جرى تحويل مجتمعاتنا في هذه المراكز إلى مختبرات خاضعة للتشريح، حيث يتم حصر البحث في دراسة مظاهر الفشل، والبدائية، والنزاعات الأزلية، بدلاً من دراسة الآليات السياسية والاقتصادية المركبة، والتدخلات الدولية، والبنى المؤسساتية التي أدت فعليا إلى هذه الكوارث.
إننا بحاجة اليوم إلى أكاديميا مضادة، مؤسسات بحثية وجامعات تكسر احتكار المركزية الأوروبية للمعرفة، وتجعل من نقد هذه المركزية جزءا لا يتجزأ من مناهجها. نحن بحاجة إلى معرفة أكاديمية شجاعة، توثق الجريمة في بلادنا كفعل سياسي ممنهج يُدار عبر أروقة السلطة، وليس كقدر جغرافي أو حتميّة تاريخية لا فكاك منها، لكي ننتزع التاريخ من أيدي من كتبوه لتبرير هيمنتهم، ونعيد كتابته كقصة لشعوبٍ خاضت وما زالت تخوض صراعا حداثيا مريراً من أجل الكرامة والتحرر.
إن امتلاك زمام روايتنا لا يمكن أن يتحقق بالاعتراض الصامت، بل يتطلب بناء جبهة صلبة من السيادة السردية، جبهة تقوم على تنسيق عضوي بين أضلاع يقودها وعي فلسفي نقدي لانتزاع قصتنا من براثن التشويه، وتقع على عاتق مؤسساتنا البحثية والجامعية مهمة إنتاج سردية علمية وتاريخية صارمة، تعمل على تفكيك أسطورة البربرية الممنهجة، وتوثيق الذاكرة الجمعية بوعي يتجاوز القراءات السطحية، لتقديم الجريمة السياسية في سياقها الحداثي والمؤسساتي الصحيح.
كما تكمن مسؤولية الإعلام والأدب في نقل المعرفة الرصينة من قاعات المحاضرات الجافة إلى فضاء الوجدان الشعبي والعالمي، وذلك عبر روايات أدبية وتقارير صحفية استقصائية ترفض لغة الاستعطاف أو الشفقة المهينة، وتُعلي بدلاً منها من شأن الإنسان المشرقي الفاعل الذي يخوض صراعا وجوديا ضد آلات السحق والتحطيم.
أما بالنسبة للسينما ودبلوماسية الصورة بوصفها الأداة البصرية الأكثر سطوة في العصر الحديث، فيجب أن تتحول السينما إلى سلاح دبلوماسي يعرض قصتنا بجمالياتها وقسوتها على العالم، وينتزع الكاميرا من يد المستشرق السينمائي الذي لا يرى فينا سوى مادة خام لأفلامه، لتصبح الشاشة مرآة تعكس ذواتنا الحقيقية، لا أوهام الآخرين عنا.
إذا ظلت جامعاتنا معزولة أو تستورد سرديات جاهزة، وإذا ظلت سينمانا وأدبنا حبيسي الجماليات الجنائزية التي تقتات على الركام لترضي ذائقة المستهلك الأجنبي، فإننا بهذا نساهم، عن وعي أو دون وعي، في عملية إبادة ثانية لتاريخنا ومحو متعمد لذاكرتنا.
معركتنا اليوم هي معركة السردية، فالحق في كتابة تاريخنا وتفسير مآلاتنا بوعيٍ حر هو السبيل الوحيد لانتزاع صورتنا من قوالب الآخر الجاهزة. استعادة فاعليتنا لا تعني العزلة، بل تعني امتلاك أدواتنا الجمالية والفكرية لنفرض احترام سياقنا الحضاري، كي نتحول من هامشٍ درامي في رواية الآخر، أو خلفية باهتة في تاريخه، إلى قصة لا تُروى إلا بألسنتنا، ولا تُفهم إلا من عمق انكساراتنا وتطلعاتنا.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

طائرة مسيّرة تستهدف مطار الكويت الدولي وإصابات طفيفة بين العاملين

دوي انفجار كبير في دبي.. ورفع حالة الطوارئ الجوية

نجمٌ من الزمن الجميل ينطفئ.. ويظل مضيئاً!

عصائب أهل الحق تدين العدوان على إيران وتستنكر قصف جرف النصر

تحركات عراقية عاجلة لتنسيق الجهود الإقليمية ووقف تداعيات الحرب

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram