طالب عبد العزيز
نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا بأنَّ الفرصة كانت وما زالت متاحة لحياة أفضل، لو أستخدمت بشكلها الواقعي والصحيح. علينا أن نعترف بأنَّ حنقاً ونفوراً عند الغالبية منا من أداء هؤلاء السياسيين، الذين قدَّموا الصورة المشوهة عن الدين، فيما يمكننا استخلاص أجمل الصورة عنه، لا بوصفه مجموعة عبادات ومعاملات إنّما بوصفه تركيبة اجتماعية، أو منظومة أخلاقية أو قيمة إنسانية عليا، تشكلت داخل الإطار الديني، وأنتجت مجتمعاً مثالياً، سمته اللطف والعطف والتسامح والعون والمشاركة وما الى ذلك من صفات الخير التي يتحلى بها عامة الناس في كل زمان ومكان.
لكن، ومع كل ما يعتمر ويضج من حولنا، وخارج الأداء السيء ذاك؛ هناك حياة جميلة يحياها العراقيون، تتضح صورتها الابهى في رمضان بخاصة، ولكي أعتمدَ الدقّة في نقل الصورة هذه، فسأتحدث عنها بخصوصية أكثر، فأنا من الذين يحبّون اجتماع العائلة على مائدة الإفطار في رمضان، حيث يأتي أولادي مع زوجاتهم وأبنائهم وبناتهم، من الذين يسكنون معي، في بيت العائلة الكبير، أوكذلك الذين سكنوا بيوتهم الخاصة القريبة جداً من البيت، حاملين قدورهم وأطباقهم، لتتشكَّل أطول سفرة يشهدها البيت طوال أيام السنة، تختلف عليها الطعوم والأشربة، وتتقاطع الروائح والألوان، وتمتدُّ الايدي ما طال وقصر منها، ويعلو سقف الطلبات من هذه وتلك، في مشهد لا أجمل منه، ومما اشتاقه جداً، لا أسأل عن الصائم وغير الصائم فيهم، فهم أحرار في ذلك، ولأنني أول المغادرين في العادة فسأظلُّ معايناً المشهد الذي يطول ويغتني لحظة أثر أخرى.
بالأمس دعيتُ مع صحبة حَسنة منتقاة الى بيت أحد الأصدقاء الافاضل لتناول وجبة ما بعد الإفطار(تعتومة) أو( تمتوعة) ولا أدري أيهما أصح، فكانت واحدة من أجمل الليالي، قدَّم لنا السيد أحمد صاحب الدعوة ما لم نقدر على أكل وشرب 10% منه، فقد كانت مائدة طيبةً وعامرة، لم نسأل بعضنا من بيننا الصائم والمصلي، المقتنع بالصيام وغير المقتنع، فقد تجاوزنا حديث الاختلاف،من زمان. نحن مجموعة عابرة للأديان والمذاهب والقوميات، يجمعنا الانتماء الحرُّ والادب والفن، وندين بدين الإنسانية الخالصة للجمال، وليس بيننا من يفضِّل مذهبه على مذهب الآخر. كان الودُّ واللطف والحديث في الدين والسياسة والوطن والحرب المتوقعة وهموم الناس في العراق وإيران وغزة وو مادةً خارجَ العصبيات، ومشاعرَ تدور في فلك الحرص والرجاء بحياة بعيدة عن لغة التخوين والرصاص والتشدد. لا أقول بأنَّ اشتراكنا في ما كنا فيه هو الذي اضفى على الجلسة طابع اللطف والحديث الهامس المحبّ حسب، لكنني أقول بأنَّ أجواء رمضان هي التي ألقت بنورها الرحماني والانسانيّ على المكان، فكانت ساعات خالدات، خالصات لكل ما هو خير وسلام.
سيكون الدين أقرب الى الانسان حين يكون الشعور الإنساني أعمق من الخشية على الدين نفسه، ذلكَ لأنَّ الأديان محفوظة من الرب؛ قبل أن تكون محفوظة من العبد، ويكون الدين أجمل حين لا يؤثر صوت مؤذن المسجد على صحة المريض وطالب الصف السادس الثانوي الذي يستعد للإمتحان الوزاري، وأجمل من ذلك حين لا يقطع الشارع موكب لتشييع جنازة أيٍّ كان، وحين لا تكون آيةٌ أو حديث نبوي أو قدسي سبباً في اشهار بندقية، ويكون أقرب الى الانسان حين تسمو النفس عن إيذاء الآخرين، ويكون أرقَّ وأصدق حين لا يتحول الى مسدس يشهر بحسب مشيئة صاحبه، وحين يسود ويعمُّ السلام وتصبح الطمأنينة زاداً لكل عربيٍّ وأعجمي. ما الذي انتفعت الأديان والمذاهب منه حين شاءت الحكومات والجماعات المسلحة تصديره الى الآخر المختلف؟ وما الذي جناه الانسان من مراكمة الكراهية والأسلحة والتهديد بمحو الآخر ؟ رمضان عندي مناسبة لتجديد انسانيتنا.










