ثائر صالح
الحلقة الثالثة (الأخيرة): السيمفونية
عُرف كوستاڤ مالر (1860 - 1911) بحبه للطبيعة، وكان ينزوي أثناء عطله الصيفية خلال عمله في هامبورغ في كوخ صغير يقع في قرية نمساوية صغيرة هي شتاينباخ الواقعة على بحيرة آتر. بدأ مالر بتأليف سيمفونيته الثالثة سنة 1893 في هذه الجنّة الأرضية وانتهى منها في 1896 قبل أن يستلم إدارة أوبرا البلاط في ڤيينا (أوبرا الدولة الآن) في 1897. موضوع السيمفونية الصيف والزهور وحيوانات البر، وقد وصف سيمفونيته الثالثة “وجدت كل الطبيعة صوتاً لها في هذه السيمفونية”. هيّأ مالر وصفاً لحركات السيمفونية في مطبوع حفل الافتتاح سنة 1902 قبل أن يغير رأيه ويحذفه منه. وبحسب شهادات المقربين منه كانت مواضيع حركات السيمفونية الست: الأولى تصوّر “استيقاظ ݒان (إله البرية والرعاة والمواشي في الميثولوجيا الإغريقية) من سباته ودخول الصيف”، وهي أطول الحركات الست. الحركة الثانية “ما تقوله لي الزهور في الحقل”، وقد أستبدل إيڤان فيشر عصا القيادة بوردة روز (جوري) بيضاء في هذه الحركة لتوكيد ذلك. الحركة الثالثة “ما تقوله لي الحيوانات في الغابة”، الرابعة “ما يقوله لي الإنسان”، الخامسة “ما تقوله لي الملائكة” وأخيرا السادسة، “ما يقوله لي الحُب”.
كتب مالر هذه السيمفونية بالغة الطول لأوركسترا كبيرة، فقد شغلت أوركسترا بودابست الاحتفالية كل مسرح القاعة الكبرى في قصر الثقافة في بودابست المسماة قاعة بيلا بارتوك التي تتسع لـ 1656 مقعد. الأوركسترا رباعية، أي أنها تضم أربع أدوات في كل قسم، مع بعض الاختلافات، فقد استعمل مالر ثمانية من أدوات الهورن الفرنسي وهورن بريد (خارج المسرح في الحركة الثالثة)، وقد اعتاد مالر استعمال عددا كبيرا من الهورن في سيمفونياته. استعمل كذلك خمس أدوات كلارينيت، وقيثارتين، وقسم إيقاع معزز بالكثير من الأدوات مثل الأجراس التي يضع بعضها على شرفة عالية كما هو الحال في سيمفونيتيه الثانية والثالثة. واشتركت مغنية من طبقة آلتو في غناء نص “أغنية منتصف الليل” من عمل كوته “هكذا تكلم زرادشت” في الحركة الرابعة، ونص من أغاني ألمانية قديمة “هورن الفتى العجيب” في الحركة الخامسة، أسهم معها في الغناء كورس نسائي وكورس أطفال في الحركة الخامسة فقط.
قيادة مثل هذه الفرقة الكبيرة ليست سهلة، وقيادة أعمال مالر ليست سهلة كذلك، وهنا يبرز دور قائد الأوركسترا بشكل واضح. ويفاضل المالريون (وهم المتحمسون لموسيقى مالر) بين قادة الأوركسترا، ويصنفونهم حسب ادائهم أعمال مالر. وكثيراً ما اعتبروا قادة اوركسترا معروفين وشهيرين ضعفاء في تقديم وترجمة أعمال مالر. لكن إيڤان فيشر ليس بين هؤلاء، بل يعتبره المالريون من افضل مترجمي أعمال مالر اليوم. فهو قادر على استخراج أفضل الطاقات من عازفي فرقته، وهو أمر يمكن الشعور به فوراً في القاعة. يتميز ما يقدمه إيڤان فيشر مع فرقة بودابست من أعمال مالر بانسيابية غير معتادة مقارنة مع تقديم قادة الفرق الأخرى، وهذا يجعل الاستمتاع بعالم موسيقى مالر أكثر عمقاً، تفقد المستمع الإحساس بالزمن.
موسيقى الاحد: سيمفونية مالر الثالثة في بودابست

نشر في: 1 مارس, 2026: 12:01 ص









