TOP

جريدة المدى > عام > الدكتور باقر سماكة.. مسيرة حافلة بين أضواء الكلمات وظلال المواقف

الدكتور باقر سماكة.. مسيرة حافلة بين أضواء الكلمات وظلال المواقف

نشر في: 1 مارس, 2026: 12:02 ص

أحمد الناجي
ولد الدكتور باقر سماكة (1921-1994)، في محلة الوردية بصوب مدينة الحلة الصغير، ونشأ في كنف بيئة عائلية، جمعت بين التوجه الديني والانفتاح الأدبي، حيث استقى معارفه الأولى على الطريقة التقليدية في الكتاتيب، ونهل من علم والده، لاسيما علوم القرآن الكريم -تلاوة وحفظاً- ولغة الضاد التي أتقن فنونها من نحو وصرف وبديع وبيانَ، وقد توضح شغفه المبكر في انكبابه على حفظ عيون الشعر العربي، مما مهد له الطريق ليرسخ أقدامه في عالم المعرفة والأدب منذ نعومة أظفارهاً. ثم تابع مشواره الدراسي في المدارس الرسمية، مجتازاً مراحلها الثلاث (الابتدائية والمتوسطة والاعدادية) بتفوق. عين أميناً للمكتبة العامة بالحلة عند افتتاحها عام 1939، وقد منحه هذا المناخ المعرفي فسحة لترصين خلفيته الثقافية، إذ ترسخت موهبته الشعرية، وهو الذي أجاد نظم الشعر في ريعان شبابه، وشق طريقه للنشر المبكر في جريدة (الراعي) النجفية التي أصدرها الأديب جعفر الخليلي في تموز 1934، كذلك في جريدة (حمورابي) الحلية التي صدرت في حزيران 1935. وتوجت رحلته الإبداعية المبكرة في عام 1940، بإصدار باكورة دواوينه الشعرية بعنوان (نسمات الفيحاء)، ولم ينفصل منجزه الإبداعي عن مواقفه الوطنية، إذ تجلى نضجه السياسي إبان حركة مايس 1941، حيث اندفع بعزيمة الشباب العالية لمناهضة الوجود البريطاني، ولم يكتف بالتأييد الصامت، بل صدح بصوته في شوارع مدينة الحلة وساحاتها العامة، ملهباً حماس الجماهير بقصائد تحريضية وطنية، وأمتد نشاطه الأدبي مع تصاعد المد الشعبي الى العاصمة، فأخذ ينشر قصائده الحماسية في جريدة (اليوم)، لصاحبها جميل روحي التي كانت تصدر في بغداد، مؤكداً بذلك انحيازه التام لقضية الوطن. وعلى إثر انكسار حركة مايس 1941، طالت مدينة الحلة حملة اعتقالات واسعة، فاعتقل واقتيد مخفوراً الى مخفر شرطة السراي ببغداد، ومنه الى مركز الشرطة السيارة، حيث نقل وأودع في معتقل العمارة.
يمضي الزمن، وتتلاحق الأيام، وتنقضي فترة الاعتقال، وتظل الكلمة ملاذه الأسمى لاستدعاء الأمل، ولم يلبث أن ترجم هذا الاصرار بخوض غمار تجربة صحفية رائدة، فأصدر في الحلة يوم الأحد 20 نيسان 1946 جريدة (الفرات) الاسبوعية، وقد مثلت صوتاً جسوراً للكلمة الحرة، إذ انبرت للدفاع عن طموحات الحليين وآمالهم في الإصلاح، بجرأة ومسؤولية،، غير أن هذا الصوت لم يرق للجهات الرقابية، فصدر قرار بإغلاقها في العام نفسه، فتوجه الى إكمال دراسته الجامعية، ملتحقاً بمعهد الآداب الشرقية في جامعة بيروت، لينال منها شهادة الليسانس في الأدب أواخر عقد الأربعينيات، وبعد عودته للعراق، انتقل بعمله الى حقل التعليم، ليبدأ مشواره مدرساً في ثانوية الحلة للبنين.
ولم يكن الشاعر باقر سماكة بمعزل عن أحداث وثبة كانون 1948، إذ جاء موقفه السياسي مرآة لفكره الوطني الداعم للحراك الشعبي الذي اجتاح البلاد. وعقب هدأة أحداثها توجه ضمن وفد مدينة الحلة الى بغداد لإحياء مناسبة أربعينية شهداء الوثبة الأبرار، حيث وضعوا أكاليل الزهور على قبور الشهداء الميامين، وفي الحفل التأبيني الحاشد الذي أقيم في جامع الحيدرخانة، ألقى قصيدة نافت على خمسة وعشرين بيتاً، مجد فيها الوثبة وخلد تضحيات شهدائها.
يتناقل الحليون حكاية تعود الى مطلع خمسينيات القرن الماضي، تكشف عن شجاعته واندفاعه بروح شبابية وثابة، حينها، أضمر استغلال دعوة وفد محامي الحلة لإلقاء قصيدة شعرية في حفل توديع رئيس محاكم الحلة مصطفى الأنكرلي، الذي أقيم في نادي الموظفين. فبدلاً من سياقات المديح والوداع المعتادة، قرر تحويل المنصة إلى منبر لبث رسائل سياسية ووطنية جريئة. وهناك وسط ذلك الجمع الحاشد، فاجأ الحضور، حين كسر التوقع بموقف احتجاجي جسور، ملقياً وراء ظهره كل الحسابات لما قد تؤول اليه الأمور، انبرى ينشد قصيدته الجريئة التي بلغت ستة وعشرين بيتاً، وقد اتخذ من الكلمة الحرة أداة لتعرية النظام السياسي، منتقداً فشله في تحقيق التنمية المنشودة والنهوض بواقع الناس المعيشي، حين وجه انتقادات لاذعة بشجاعة نادرة، وجها لوجه أمام رموز السلطة من كبار الموظفين والإقطاعيين والمُلاك ووجهاء المدينة، الذين بهتوا من هول المفاجأة وجرأة الطرح. وما أن فرغ من قصيدته العاصفة، حتى ألقي القبض عليه، ليخرج من القاعة التي ضجت بكلماته مقيداً، وأودع التوقيف لمدة اسبوع قبل أن يطلق سراحه بكفالة مؤقتة، لكن الإجراءات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ أحيل الى المحكمة، التي قضت بسجنه مدة شهر ونصف مع طرده من الوظيفة، ليدفع بذلك ثمن انحيازه لجانب شعبه. وليس غريباً أن يصدح هذا الصوت الحلي المتمرد بفيض من غضب مكبوت، مستعيداً بتحديه المبادرة الجسورة للشاعر الجواهري الكبير، حين ألقى قصيدته المدوية في حفل الوتري عام 1946، مهاجماً أقطاب ذاك العهد وأعوانه وجهاً لوجه بأقسى الكلمات.
ظل ميله يهفو الى الاستزادة من روافد الأدب وينابيع الثقافة، محفزاً رغبة دفينة في اكمال الدراسات العليا، وفي عام 1955 قادته الأقدار نحو جامعة برشلونة في اسبانيا، محققاً مراده بنيل شهادة الدكتوراه عام 1958، وعقب عودته الى أرض الوطن، جرى تعينه تدريسياً في كلية التربية جامعة بغداد، حيث أشرف على تدريس الأدب العربي والأندلسي، واختير لاحقاً معاوناً لعمادة معهد اللغات العالي جامعة بغداد، ليمزج في مسيرته بين روح الشاعر وعقل الأكاديمي.
ومع بزوغ فجر العهد الجمهوري انخرط الدكتور باقر سماكة بفاعلية في الأنشطة الثقافية المساندة، إيماناً منه بدور الفكر والكلمة، وتجلى ذلك الحضور بإسهامه في مهرجان الرصافي (نيسان 1959)، الذي غدا أضخم تظاهرة ثقافية آنذاك، وأشرفت عليه لجنة عليا من كبار الأدباء قبل تأسيس اتحادهم الرسمي، وقد نال ثقة زملائه بانتخابه في لجنة الدعاية والتنظيم، ولم يكتفِ بالدور التنظيمي، بل اعتلى منصة المهرجان، ليلقي قصيدة بعنوان (ذكرى الرصافي)، وأمتد جهده الى مضمار التوثيق، حيث شارك ضمن لجنة رفيعة ضمت كل من الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور جواد أحمد علوش، تولت إعداد وطبع كتاب مرجعي يوثق وقائع تلك التظاهرة ، وصدر تحت عنوان (مهرجان الرصافي 1959). وما هي إلا فترة زمنية وجيزة، حتى انخرط في مهمة وطنية مع النخبة الأدبية التي أسست اتحاد الأدباء العراقيين في 7 أيار 1959، برئاسة الشاعر محمد مهدي الجواهري، ليضع اسمه ضمن الرعيل الأول الذي أرسى ركائز هذا الكيان الثقافي المعاصر.
عاد الدكتور باقر سماكة الى العراق في عهد ثورة الرابع عشر من تموز، فأبصر البلد بوجه جديد، وهي تخطو بثبات نحو آفاق الاستقلال والعدالة الاجتماعية، وفي غمرة هذا التحول وجد نفسه يستدعي الأحلام وفق نبضات قلبه وفكره التقدمي، متخذاً موقفاً مبدئياً منحازاً الى جانب تطلعات الشعب ومكتسبات الثورة الفتية، وقد فجرت الثورة في أعماقه طاقات إبداعية، وألهمته قصائد وطنية، صدح ببعضها أثير الإذاعة، ووجدت الأخرى طريقها الى صفحات الصحف والمجلات، ليتوج ذلك النتاج بصدور ديوانه (من حصاد الثورة) عام 1959. ولم تدع القوى المعادية الداخلية والخارجية للعراق أن يتنفس هواء الحرية النقي، حيث أدخلت البلاد في أتون انعطافة دموية بانقلاب 8 شبَاط 1963 الأسود، وطالت حملة الاعتقالات الواسعة الدكتور باقر سماكة، وانتهت محاكمته بقرار جائر قضى بفصله من وظيفته في جامعة بغداد، وحين ضاقت بالشاعر الأرض بما رحبت في وطنه، لم يستسلم لليأس، بل شد الرحال بحثاً عن آفاق جديدة، فاستقر في مدينة بنغازي، ليعمل تدريسياً في كلية الآداب بالجامعة الليبية، ومطلع السبعينيات عاد الى وطنه ليستأنف عطاءه في كلية الآداب بجامعة بغداد. ولم يكن قرار أحالته على التقاعد لاحقاً ليعني الركون الى السكون، بل كان انطلاقة جديدة لمسيرة أكاديمية حافلة خارج العراق، حيث واصل أداء رسالته العلمية، متنقلاً بين عدة جامعات، في السعودية والجزائر والمغرب فضلاً عن جامعة طاشقند، وقد توج مسيرته الحافلة بعدد من المؤلفات توزعت بين الإبداع الشعري (سبعة دواوين شعرية، واحد منها للأطفال)، والدراسات الأدبية (كتابين)، وكتاب تربوي.
لم يكن اهتمام الدكتور باقر سماكة بأدب الأطفال. وليد صدفة، بل كان خياراً معرفياً وجمالياً وضعه في مصاف الرواد الأوائل لهذا الفن في العراق، وطلت آثاره الإبداعية اللامعة بمحمولاتها التربوية والقيمية نقشاً باقياً على جدران الذاكرة، لا يطاله النسيان، فقصيدته (البلبل الفتان) على وجه الخصوص، تربعت على عرش أناشيد الفرح والأمل، وانطبعت في وجدان التلاميذ على مدى نصف قرن، كأيقونة لا تنسى. بقي صداها يتناهى الى المسامع، لكن (مبدعها) رحل عن دنيانا في هدوء وجلال، تاركاً تلك البصمة ذات الأثر البالغ على الناشئة، وفي مسيرة أدب الطفل في العراق المعاصر، رحل صاحب هذا التفرد الجمالي، وما زال البلبل الفتان في ذاكرة الأجيال.. يطير في البستان.. يغني على الأغصان، ولكن غابت أعذب الألحان عن كتب القراءة في هذا الزمان.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

طائرة مسيّرة تستهدف مطار الكويت الدولي وإصابات طفيفة بين العاملين

دوي انفجار كبير في دبي.. ورفع حالة الطوارئ الجوية

نجمٌ من الزمن الجميل ينطفئ.. ويظل مضيئاً!

عصائب أهل الحق تدين العدوان على إيران وتستنكر قصف جرف النصر

تحركات عراقية عاجلة لتنسيق الجهود الإقليمية ووقف تداعيات الحرب

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

اليتيمة

ما هي علاقتي بالمعمار والمفكر أستاذي رفعة الجادرجي؟

الـمـعـمـار رفـعـة الجـادرجـي

الرومانسيون.. عن لتطلعات الجيل الشاب في عصر التغيرات الاجتماعية الكبيرة

إنصات ليس عن بُعد

مقالات ذات صلة

اليتيمة
عام

اليتيمة

صلاح نيازي نُسِبتْ قصيدة "اليتيمة" إلى سبعة عشر شاعراً، اما الشنقيطي فنسبها إلى أربعين. كذا اختلط الحابل بالنابل عمليّاً. حتى عنوان القصيدة: «اليتيمة» موضع خلاف. ’هل سُمّيَتْ كذلك لأنا قائلها مجهول، أم لأنْ لا...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram