TOP

جريدة المدى > عام > أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال

أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال

نشر في: 1 مارس, 2026: 12:03 ص

جورج منصور

في البلدان التي تمتعت باستقرار طويل، قد يكون الميل إلى الخيال الأدبي ترفاً مشروعاً، بل حاجة جمالية وفكرية. أمّا في العراق، حيث تتراكم الأحداث كما تتراكم طبقات الغبارعلى الذاكرة، فإن السؤال عن جدوى الأدب لا ينفصل عن السؤال الأخلاقي: ماذا نكتب؟ ولماذا؟ ولمن؟.
لقد عرف العراق في أقل من نصف قرن ما لم تعرفه أممٌ أخرى في قرون: انقلابات، وحروب خارجية وداخلية، وسجون ومعتقلات، وحصار طويل حوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء، ثم احتلالٌ أعقبته فوضى وعنفٌ مفتوح. أمام هذا الفيضان من الوقائع، يبدو الواقع نفسه أكثر كثافةً ودراميةً من أي حبكة متخيَّلة. وهنا تحديداً تبرز أهمية أدب السيرة بوصفه ضرورة ثقافية، لا مجرّد نوع أدبي.
في مثل هذا السياق، تصبح السيرة وثيقة حياة، لا مجرد نص أدبي. إنها شهادة ضد النسيان، وضد التزييف، وضد تحويل المأساة إلى رقم أو خبر عابر.
أدب السيرة، سواء أكان سيرة ذاتية أم مذكرات أم شهادات أم أدب سجون، هو فعل مقاومة للنسيان. ففي العراق، لم يكن القمع سياسياً فحسب، بل كان قمعاً للذاكرة أيضاً. كم من قصص اختفت مع أصحابها؟ وكم من حياة طُمست لأنها لم تُدوَّن؟. تعيد السيرة الاعتبار للإنسان العادي: الطالب، والجندي، والموظف، والأم، والسجين، والمحاصر بالجوع. هؤلاء لا يظهرون في البيانات الرسمية ولا في كتب التاريخ المدرسية، لكنهم يشكّلون جوهر التجربة العراقية. حين يكتب أحدهم سيرته، فهو لا يروي حياته فقط، بل يفتح نافذة على زمنٍ كامل، على بنية الخوف، وآليات القمع، وتفاصيل العيش تحت ضغط دائم.
يُعيد أدب السيرة الإنسان العادي إلى مركز التاريخ، ويكشف ما لا تقوله الوثائق الرسمية، ويحفظ تفاصيل الجوع والخوف والانتظار والمهانة والصمود. في حين قد يهرب الخيال أحياناً من الواقع بدل أن يحاوره، أويتحول إلى لعبة لغوية باردة لا تمسّ حياة الناس. لكن هذا لا يعني أن الخيال بلا قيمة: الخيال، فحين يكون صادقاً، يمكنه تعميق الواقع لا الهروب منه، وقول ما تعجز السيرة المباشرة عن قوله، وتحويل التجربة الفردية إلى رمز إنساني عام.
السجون أكثر من المدن
ليست مبالغة القول إن السجون والمعتقلات في العراق كانت، لفترات طويلة، أكثر حضوراً من الجامعات والمكتبات. يتحوّل أدب السيرة هنا إلى أدب كشف لما أُريد له أن يبقى في الظل ويُنسى. فأدب السجون العراقي، حين يُكتب بصدق ووعي، لا يكتفي بوصف العذاب، بل يفضح النظام الذي أنتجه، ويحلّل كيف يُكسر الإنسان، وكيف يقاوم في آنٍ معاً.
الحصار والجوع
لم تكن سنوات الحصار مجرد مرحلة اقتصادية صعبة، بل تجربة وجودية كاملة: الجوع، والخوف، وإذلال الإنسان في طوابير الغذاء، وانهيار القيم، وتغيّر العلاقات الاجتماعية. هذه التجربة لا يمكن اختزالها في أرقام أو تقارير أممية. وحدها السيرة قادرة على نقل الإحساس اليومي بالمهانة والصبر والاختناق. فالطفل الذي كبر قبل أوانه، والأم التي اخترعت وصفات من العدم، والمعلّم الذي واصل التدريس وهو جائع، كلّهم مادة تاريخية وإنسانية لا تقل قيمة عن أي حدث سياسي كبير.
الكتابة عن المنفى
ليست الكتابة عن المنفى ترفاً ثقافياً ولا نزوة حنين عابرة، بل هي فعل ضرورة، يشبه التنفس لمن أُجبر على مغادرة وطنه تحت وطأة الخوف أو القمع أو الحرب. حين ترك المنفي العراق، لم يكن ذلك خياراً شخصياً، بل كان اقتلاعاً قاسياً من أرضٍ تشكّل فيها وعيه وتكوّنت لغته وتعلّمَّ فيها معنى الانتماء. من هنا، تصبح الكتابة عن المنفى محاولةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذات، وحفظ الذاكرة من التآكل، ومقاومة النسيان بوصفه شكلاً آخر من أشكال الموت.
المنفى ليس مكاناً جغرافياً فحسب، بل حالة وجودية ممتدة. هو أن تصل إلى بلد جديد وأنت تحمل داخلك بلداً كاملاً مكسوراً، بتاريخِه وأصواته وروائحه ومقابره. الكتابة هنا ليست سرداً للحكاية فقط، بل إعادة ترتيب للفوضى الداخلية، ومحاولة لفهم ما جرى: كيف ولماذا خرجنا؟ ومن نحن بعد الخروج؟ وما الذي تبقى منا في الطريق؟
لكن الطريق إلى بلدان اللجوء محفوف بالمخاطر، يبدأ من لحظة القرار القسري بالمغادرة، ويمتد عبر حدود مغلقة ووثائق ناقصة وخوف دائم من المجهول. كثيرون دفعوا أثماناً باهظة: أرواح ضاعت في البحار، وأجساد أنهكتها المعابر، ونفوس انكسرت تحت وطئة الأنتظار الطويل في مخيمات لا تشبه الحياة إلاَ بالاسم.
وعندما يصل أخيراً إلى ما يُسمّى “بلد الأمان”، يكتشف أن الرحلة لم تنتهِ، بل بدأت بشكل آخر. فالقبول ليس أمراً مضموناً؛ هناك نظرات الشك، وبيروقراطية القوانين، والصورة النمطية الجاهزة عن القادم من الشرق، من بلدٍ ارتبط اسمه في المخيلة الغربية بالحروب والعنف. على اللاجئ أن يبرر وجوده باستمرار، وكأن النجاة بحد ذاتها لا تكفي.
أما صعوبة التأقلم، فهي اختبار يومي صامت: اللغة التي لا تسعفك، والعادات التي تشعرك بأنك، وإيقاع الحياة المختلف، والبرد الذي لا يخص الطقس وحده. في المنفى، تعيش انقساماً دائماً: جسدك هنا، لكن روحك هناك، في شوارع بغداد، في بيتٍ لم يعد موجوداً، أو في وجوهٍ فرّقتها المنافي أو ابتلعتها الحروب.
وسط كل هذا، تصبح الكتابة مساحة أمان بديلة. نكتب لنقول إننا كنّا هنا، وإن لنا حكاية تتجاوز أرقام الملفات. نكتب كي لا يتحول المنفى إلى قدرٍ أخرس، وكي نستعيد صوتنا الذي حاولت الظروف مصادرته. الكتابة عن المنفى أيضاً مسؤولية أخلاقية: شهادة للتاريخ، وتحذير من تكرار المأساة.
وحين يكتب المنفيّون عن خروجهم القسري، لا يفعلون ذلك طلباً للشفقة، بل دفاعاً عن المعنى. يكتبون لأن الوطن، مهما ابتعدوا عنه، لا يكفّ عن المطالبة بهم. يكتبون لأن المنفى، مهما طال، لا يصبح وطناً كاملاً. وبين هذا وذاك، تظل الكتابة الجسر الوحيد الذي يسمح لهم بأن يكونوا أنفسهم، بلا أوراق مؤقتة ولا حدود مغلقة.
هل الأدب الواقعي أفضل من الخيال؟
السؤال ليس جديداً، لكنه في العراق يأخذ طابعاً خاصاً. ليست المشكلة في الخيال بذاته، بل في الخيال المنفصل عن الواقع. حين يصبح هروباً من الأسئلة المؤلمة، أو لعبة لغوية لا تمسّ حياة الناس، فإنه يفقد قيمته. في المقابل، يملك الأدب الواقعي، وخاصة أدب السيرة، شرعية نابعة من التجربة. لكنه قد يسقط في فخ التسجيل البارد إن لم يتحوّل إلى وعي وتحليل. فالكتابة الجيدة، واقعية كانت أم تخييلية، هي تلك التي تُضيء الواقع بدل أن تكرّسه، وتُعمّق الفهم بدل أن تكرّر الألم بلا أفق.
الحاجة إلى مشروع كتابة الذاكرة
العراق بحاجة ماسّة إلى مشروع ثقافي غيرمعلن: كتابة الذاكرة الوطنية من أسفل، من حياة الأفراد لا من خطابات السلطة. يشكّل أدب السيرة العمود الفقري لهذا المشروع. من دونه، ستُكتب المرحلة بأقلام الآخرين، أو ستُختصر في عناوين سياسية جافة. إن الأمم التي لا تكتب آلامها، محكوم عليها بتكرارها. وأدب السيرة، حين يُكتب بصدق وشجاعة، لا يعيد فتح الجراح من أجل البكاء، بل من أجل الفهم والمساءلة، وربما الشفاء.
خاتمة
في بلدٍ مثقلٍ بالحروب والمقابر والحصار، لا يمكن مطالبة الكاتب بأن يغمض عينيه ويتخيّل حدائق بعيدة. من حقه أن يفعل ذلك إن شاء، لكن من حق الواقع عليه، وعلينا، أن يُكتب. أدب السيرة في العراق ليس نقيض الإبداع، بل أحد أشكاله المتينة. إنه الأدب الذي يقول: كنتُ هنا، عشتُ هذا، وهذا ماجرى. ومن دون هذه الجملة البسيطة، سيبقى تاريخنا ناقصاً، وأدبنا معلقاً في الفراغ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

طائرة مسيّرة تستهدف مطار الكويت الدولي وإصابات طفيفة بين العاملين

دوي انفجار كبير في دبي.. ورفع حالة الطوارئ الجوية

نجمٌ من الزمن الجميل ينطفئ.. ويظل مضيئاً!

عصائب أهل الحق تدين العدوان على إيران وتستنكر قصف جرف النصر

تحركات عراقية عاجلة لتنسيق الجهود الإقليمية ووقف تداعيات الحرب

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

اليتيمة

ما هي علاقتي بالمعمار والمفكر أستاذي رفعة الجادرجي؟

الـمـعـمـار رفـعـة الجـادرجـي

الرومانسيون.. عن لتطلعات الجيل الشاب في عصر التغيرات الاجتماعية الكبيرة

إنصات ليس عن بُعد

مقالات ذات صلة

اليتيمة
عام

اليتيمة

صلاح نيازي نُسِبتْ قصيدة "اليتيمة" إلى سبعة عشر شاعراً، اما الشنقيطي فنسبها إلى أربعين. كذا اختلط الحابل بالنابل عمليّاً. حتى عنوان القصيدة: «اليتيمة» موضع خلاف. ’هل سُمّيَتْ كذلك لأنا قائلها مجهول، أم لأنْ لا...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram