TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

نشر في: 2 مارس, 2026: 12:02 ص

محمد الربيعي

( 2-2 )
أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج:
تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة. هذا الفساد لا ينتج باحثاً، بل ينتج ،سارقاً أكاديمياً، يتبوأ لاحقاً مناصب قيادية، وهو لا يملك أدنى مقومات التفكير التحليلي أو الأخلاق المهنية، مما أدى إلى انحدار مرعب في مستوى التعليم العالي.
الشهادات الوهمية والممنوحة بالضغط السياسي: نجد في مفاصل الدولة العليا شخصيات تحمل شهادات عليا من جامعات غير رصينة أو وهمية تبيع الشهادات. والأدهى من ذلك هو الضغط الذي يمارسه المتنفذون على الجامعات الاهلية لمنح شهادات لأبنائهم أو أتباعهم دون استحقاق، مما كسر هيبة الأستاذ الجامعي وجعل الدرجة العلمية تخضع لمنطق القوة لا لمنطق المختبر.
فساد النشر العلمي (المجلات المفترسة): بدلاً من السعي وراء جودة البحث وأصالته، يلجأ الكثير من الأكاديميين للنشر في مجلات مفترسة (Predatory Journals) تمنح قبول النشر مقابل المال. الغرض هنا هو تجميع نقاط وهمية لغرض الترقية، مما جعل الأرشيف العلمي العراقي ضخماً في الكم ولكنه فارغ تماماً من القيمة الابتكارية أو التأثير العالمي.
السرقات العلمية والاستلال غير القانوني: تآكلت الأمانة العلمية بفعل التكنولوجيا التي سُخرت للنسخ واللصق. وحين تغيب العقوبات الرادعة أو يتم التستر على الفاسدين أكاديمياً بسبب حصاناتهم الحزبية، تصبح السرقة هي الطريق الأسرع والوحيد للنجاح، مما يحبط الباحث المجتهد ويقتله معنوياً.
ثالثاً: التيه بين المطرقة السياسية وسندان الموروث الاجتماعي
لا يمكن للعلم أن ينمو ويؤتي ثماره في بيئة يسودها الاضطراب وعدم اليقين، فالتطور التكنولوجي يحتاج إلى بيئة حاضنة توفر الحرية الأكاديمية والاستقرار الاستراتيجي. وفي العراق، نجد أن العقل المصطدم بجدارين صلبين يمنعان حركته:
تسييس المعرفة والمحاصصة الحزبية: تحولت المؤسسات العلمية والتقنية في العراق إلى إقطاعيات حزبية مغلقة، حيث يُدار التعليم والبحث بعقلية الولاء لا بعقلية الكفاءة. عندما تُدار جامعة أو مركز بحثي بمنطق المحاصصة، يصبح الانتماء الأيديولوجي أهم من الإبداع العلمي، وتُختزل المعرفة إلى أداة للنفوذ السياسي. هذا التسييس لم يُنتج خططاً علمية أصلاً، بل قضى على إمكانية وجودها، فالمشاريع الكبرى التي تحتاج إلى تراكم واستمرارية لعقود – مثل برامج المياه، الطاقة النووية، أو الرقمنة الشاملة – لم تدخل يوماً في أجندة الدولة، لأن كل دورة انتخابية تبدأ من الصفر، بلا ذاكرة مؤسسية ولا رؤية وطنية.
العوائق الاجتماعية وسيادة التفكير التقليدي: يعاني المجتمع العراقي من انفصام حاد، فهو يستهلك أحدث منتجات التكنولوجيا (كالهواتف الذكية ومنصات التواصل) بشراهة، لكنه في الوقت ذاته يرفض العقلية العلمية التي أنتجت هذه الأدوات. إن غياب المنهج النقدي في التربية والتعليم منذ الطفولة جعل المجتمع يميل إلى التفكير الغيبي في مواجهة المشكلات التقنية. العلم يحتاج إلى بيئة تقدس السؤال والشك المنهجي، بينما بيئتنا الاجتماعية غالباً ما تمجد الامتثال والنقل، على حساب العقل، مما يجعل من الصعب توطين تكنولوجيا تحتاج إلى عقول حرة ومتمردة على السائد.
رابعاً: صناعة التبعية التكنولوجية الدائمة
إن الحديث عن نهضة العراق لا يمكن أن يُختزل في شماعة الضغوط الدولية أو الإقليمية، فالمشكلة الحقيقية كامنة في الداخل. العراق، رغم موارده الطبيعية الهائلة وعقول أبنائه التي أثبتت كفاءتها في الخارج، ظل أسيراً لعقلية كسولة تفضل الاستهلاك على الإنتاج، والارتجال على التخطيط، والولاء الحزبي على الكفاءة المؤسسية. المسؤولية هنا ليست مؤامرة خارجية، بل عجز داخلي عن تحويل الثروة إلى معرفة، وعن بناء مؤسسات قادرة على الاستمرارية والابتكار. والنتيجة أن العراق بقي محصوراً في دائرة الدولة الاستهلاكية، عاجزاً عن الانتقال إلى دائرة الدولة المنتجة التي تصنع مستقبلها بيدها.
1. هجرة العقول وشحة الكفاءات النوعية: إن الكارثة في العراق ليست في عدد المهاجرين فحسب، بل في نوعية النزيف، ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد من شحة حادة في المبتكرين الحقيقيين بسبب بيئة الادعاء الكاذب، نجد أن القلة القليلة التي نجت من فخ التزييف ولم تلوثها منظومة الفساد الأكاديمي، تُدفع دفعاً نحو الرحيل. هذه العقول النادرة تصطدم في الداخل ببيروقراطية تقدس الولاء وتهمش الإبداع، فتجد نفسها مضطرة للهجرة نحو بيئات عالمية تحترم العقل والمنطق العلمي. النتيجة هي أن العراق يخسر النخبة النوعية التي كان من المفترض أن تضع حجر الأساس للنهضة.
2. تكريس التبعية وصناعة الفراغ التقني الوطني: إن الحديث عن منح العقود لشركات أجنبية يكشف عن مأساة مزدوجة، فمن جهة، نجد غياباً شبه تام لشركات وطنية رصينة في مجالات البرمجيات أو الهندسة المتقدمة، لأن بيئة الفساد والمحاصصة لا تسمح بنمو قطاع خاص تقني ونزيه يقوم على الكفاءة والابتكار. ومن جهة أخرى، يجد صانع القرار في العقود الأجنبية الكبرى وسيلة مثالية لتمرير صفقات مشبوهة بعيداً عن الرقابة الوطنية الحقيقية، مستغلاً هذا الفراغ التقني المحلي الذي ساهم هو في صنعه. والنتيجة الكارثية هي أن الأمن القومي التقني للعراق — من بيانات واتصالات وبنية تحتية سيادية — يصبح رهينةً بالكامل لإرادات وقرارات خارج الحدود، لا لعدم قدرة العراقي على الإبداع، بل لأن المنظومة الحاكمة أجهضت فرص ولادة أي كيان تكنولوجي وطني يمكنه حماية سيادة البلاد الرقمية.
خامساً: الفجوة الرقمية وأمية القرن الجديد
من المعوقات الصامتة التي نادراً ما يتم تسليط الضوء عليها هي الأمية الرقمية التي تضرب مفاصل الدولة. فبينما يتحدث العالم عن الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، لا تزال معظم مؤسساتنا تعتمد على الورق والتوقيع اليدوي والبيروقراطية المملة. هذا التخلف الإداري ليس مجرد بطء في الإنجاز، بل هو عائق أمام أي تطور تكنولوجي، فالتكنولوجيا تحتاج إلى بيئة رقمية متكاملة لكي تنمو وتزدهر.
هل من ضوء في نهاية هذا النفق المظلم؟
إن هذا التشخيص، رغم مرارته وقسوته، ليس إعلاناً للهزيمة أو دعوة للاستسلام للواقع القائم، بل هو صرخة يقظة ضرورية. إن عملية التغيير في العراق ستبقى مهمة مستحيلة طالما ظلت هذه العوامل المعيقة (الفساد، التسييس، التجهيل) هي المهيمنة على مقدرات البلاد. ولكن، بمجرد أن تدرك الأجيال القادمة أن عدوها الأول ليس نقص الأموال، بل هو الفساد الأكاديمي، وتهميش العقل، حينها فقط سيبدأ المسار الصحيح نحو النهضة.
إن النهضة تبدأ من ثورة في الوعي ثورة تعيد للأستاذ الجامعي كرامته واستقلاليته، وللمختبر هيبته العلمية، وللكفاءة مكانتها الوحيدة في سلم الترقية. إن الطريق طويل وشاق، وصعوبة التغيير تكمن في عمق الجراح التاريخية والسياسية، لكن الوعي بحقيقة المحنة هو أول خيط في فجر الخلاص.
رسالة إلى الأجيال القادمة:
يا شباب المستقبل، إن كشف هذه الحقائق أمامكم ليس لزرع اليأس في قلوبكم، بل لتحديد مواقع الألغام التي يجب عليكم تجنبها أو تفكيكها بصبر وشجاعة. النهضة لن تأتي بقرار سياسي فوقي مفاجئ، بل تبدأ منكم عبر:
استعادة قدسية العلم: ورفض أن تكون الشهادة مجرد ورقة للوجاهة.
فك الارتباط المصيري: بين المؤسسة العلمية وبين الصراعات الحزبية الضيقة.
محاربة الفساد الأكاديمي: باعتباره جريمة خيانة عظمى بحق مستقبل الوطن.
إن العراق الذي نحلم به، العراق العلمي والتكنولوجي، لا يزال ممكناً، ولكنه ينتظر جيلاً يرفض الأكاذيب ويواجه الحقائق مهما كانت مؤلمة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram