د. فالح الحمـراني
يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد يرتدي التصعيد القائم اشكالا متعددة، ويتصور السيناريو المتفائل حملةً قصيرةً ومحدودة المدة، تمتد لعدة أيام من الهجمات المكثفة على غرار التصعيد القصير الأمد العام الماضي,
وثمة اجماع على أن تطورات يوم 28 شباط برهنت على أن مسار المفاوضات مع إيران يُستخدم من جديد ليس كسبيل لتسوية النزاع، بل كذريعة ملائمة لحل عسكري. أعلنت إسرائيل عن ضربات استباقية على أراضي الجمهورية الإسلامية، وفي غضون الساعات الأولى، صعّد الأمريكيون نطاق هذه العملية إلى مستوى لم يعد يبدو وكأنه عمل منفرد. وردّت إيران على الفور تقريبًا بضربات صاروخية وطائرات مسيّرة ضد إسرائيل، فضلًا عن تحويل التوتر إلى الخليج العربي، حيث تقع منشآت أمريكية رئيسية وبنية تحتية تابعة للحلفاء. والخلاصة هي ما كانت تخشاه المنطقة أكثر من غيره: وجود علاقة مباشرة بين الضربات الإسرائيلية والتدخل الأمريكي والتصعيد الإيراني المضاد، الأمر الذي يُوسّع حتمًا نطاق الصراع ويُضيّق هامش خفض التصعيد.
وصرّح وسيط المباحثات الامريكية الإيرانية وزير الخارجية العماني على قناة إكس قائلاً: "أشعر بقلق بالغ. لقد تعرّضت المفاوضات الجادة والفعّالة للعرقلة مجدداً. هذا ليس في مصلحة الولايات المتحدة ولا في مصلحة السلام العالمي. وأدعو الله أن يرحم الأبرياء الذين سيعانون. وأحثّ الولايات المتحدة على عدم التورط أكثر في هذا الأمر. هذه ليست حربكم».
لكن مجرد سرد الأحداث، حتى أدقّها، يُعدّ أمرًا ثانويًا اليوم. وقالت وزارة الخارجية في بيان في صدد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الجديد على ايران " إن هذه الهجمات التي تستحق الشجب نَفذت مرة أخرى تحت ستار عملية تفاوض متجددة قد صممت ظاهرياً لضمان تطبيع طويل الأمد للأوضاع المتعلقة بالجمهورية الإسلامية، وذلك على الرغم من الإشارات التي وُجهت إلى الجانب الروسي بأن الإسرائيليين لا يرغبون في مواجهة عسكرية مع الإيرانيين. ويتوجب على المجتمع الدولي، بما في ذلك رئاسة الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن يُقدّم فوراً تقييماً موضوعياً وحاسماً لهذه التصرفات غير المسؤولة التي تهدف إلى تقويض السلام والاستقرار والأمن في الشرق الأوسط»..
ويلفت مراقبون إلى أن المسألة الأساسية تكمن في مجال آخر. إذ يثور التساؤل مجدداً: هل سعت واشنطن والسلطات الإسرائيلية حقاً إلى إبرام اتفاق دائم مع طهران، أم أن الاتفاق كان يُنظر إليه منذ البداية على أنه نتيجة غير مرغوب فيها، لأن من شأنه أن يُرسّخ استقرار إيران، ويُضفي شرعية جزئية على دورها، ولن وإن فرض العقوبات والإكراه يُضعف نفوذها؟. إذا كانت العملية، وفقاً للعديد من المصادر، مُنسّقة مسبقاً ونُفّذت في ظل استمرار الاتصالات الدبلوماسية العلنية، فإنها تبدو أقل شبهاً بتحرك قسري في اللحظات الأخيرة، وتشبه اكثرعملية مبيتة. وبناءً على هذا المنطق، فان الهدف منها ليس إرساء الديمقراطية أو تهيئة الظروف اللازمة للتطور الداخلي في إيران، بل إضعاف الدولة، والحد من قدراتها، وتعطيل حوكمتها، وفرض عجز دائم في مواردها. ويلعب الخطاب الديمقراطي دور الغلاف السياسي، لكن ممارسة مثل هذه الحملات تُلحق الضرر دائماً بالمؤسسات والبنية التحتية والنسيج الاجتماعي، وهي العناصر التي بدونها لا يُمكن تحقيق ديمقراطية حقيقية.
وقالت صحيفة الازفيستيا "لهذا السبب تحديداً، يُعدّ ما يحدث خطيراً من جانبين. فالبعد الأول للتهديد عسكري وعملياتي. إن دخول الولايات المتحدة المرحلة النشطة من الصراع يحوّله إلى منظومة من الالتزامات المتبادلة ونقاط الضعف في جميع أنحاء منطقة الخليج العربي. فعندما تصبح القواعد الأمريكية ومراكز الدعم اللوجستي والقيادة والسيطرة بمثابة درع وهدف في آنٍ واحد، يكتسب أي تصعيد فوري طابع الأزمة الإقليمية، إذ تُجبر الدول المضيفة والمجاورة على الرد، حتى وإن لم ترغب في أن تكون طرفًا في الحرب. أما البُعد الثاني للتهديد فهو سياسي ونفسي. فعندما تنتقل الأطراف من الردع إلى الضربات المباشرة، ينخفض عتبة استخدام القوة، ويزداد الضغط من الرأي العام المحلي، مطالبًا بالاستمرار والرد».
وأضافت : ثمة بُعد ثالث، لا يُذكر عادةً إلا بعد فوات الأوان، وهو هشاشة الوضع الاقتصادي والطاقي للمنطقة والعالم. فالخليج العربي ومضيق هرمز وخطوط الإمداد ومخاطر التأمين تتفاعل مع الحرب بوتيرة أسرع من قدرة البعثات الدبلوماسية على إعداد البيانات الصحفية. حتى سلسلة محدودة من الإضرابات قد تُؤدي إلى ارتفاع الأسعار، واضطرابات لوجستية، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، ومن ثم سلسلة من القرارات من قِبل جهات خارجية، ستُجبر على حماية إمداداتها وشركاتها وسفنها المدنية. في مثل هذه الحالة، يتخذ الصراع منحىً خاصًا به، مع ظهور أطراف جديدة، وعوامل ضغط، ونقاط صراع محتملة.
وثمة استنتاج مفادة إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية. ويُستدرك: هذا لا يعني بالضرورة أن حربًا كبرى حتمية، ولكنه يعني أن إمكانية وقوعها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من بنية النظام، وتكتسب شكل تبادل الضربات والردود. إن التنبؤ بتطورات الأحداث أمر بالغ الصعوبة، لأن مسار المستقبل يعتمد على تفاصيل خارجة عن سيطرة الدبلوماسية العامة: حجم الخسائر، ومن يُفسر الضرر وكيف، والحوادث، وأخيرًا، الأخطاء والإشارات الخاطئة. في مثل هذه الأزمات، لا يتحدد المصير بالإرادة السياسية فحسب، بل أيضاً بمدى سهولة إدارة العمليات، وجودة التواصل بين الجيش والسياسيين، والقدرة على الحفاظ على "الخطوط الحمراء" في وضع يثق فيه كل طرف بصواب موقفه ويعتبر التنازلات دعوةً لشنّ هجوم جديد.
ويتصور السيناريو المتفائل حملةً قصيرةً ومحدودة المدة، تمتد لعدة أيام من الهجمات المكثفة، وبعدها، وبعد أن تُظهر الأطراف عزمها، ستبدأ في السعي إلى وقفة مؤقتة عبر وسطاء، والعودة إلى هدوء مؤقت، على غرار ما شهدته المنطقة بالفعل بعد تصعيدات قصيرة الأمد العام الماضي. هذا السيناريو ممكن إذا كانت الضربات محسوبة نسبياً، وتم تجنب الخسائر البشرية الكبيرة، وإذا أُتيحت قنوات خفض التصعيد ولو بمساحة سياسية محدودة. ولكن حتى في هذه الحالة، من المهم إدراك أن "الهدوء" لا يعني "الحل". لن يكون هذا سوى فترة توقف مؤقتة تعيد خلالها الأطراف تقييم حججها، وتستعيد قوتها، وتكشف نقاط ضعف الخصم، مما يعني أن الأزمة القادمة ستكون أكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية وأقل قابلية للردع.
لكن هناك سيناريوهات أخرى أقل تفاؤلاً.









