TOP

جريدة المدى > عام > رولان بارت: فلسفة التصوير الفوتوغرافي

رولان بارت: فلسفة التصوير الفوتوغرافي

(اللوحات تمثّلُ، والفوتوغرافيا تُقدّم)

نشر في: 2 مارس, 2026: 12:02 ص

ترجمة واعداد:خنساء العيداني
التصوير الفوتوغرافي قبل رولان بارت
نظر النقاد إلى الصورة الفوتوغرافية كوسيلة لتحقيق غاية خارجية كالحدث التاريخي، والأهمية الاجتماعية، وجوانبها التقنية؛ وليس كغاية في ذاتها؛ حتى نشر بارت كتابه «الغرفة المضيئة» (١٩٨٠)، مجيبًا على السؤال الذي لم يُطرح بعد بشكل صحيح: (ما جوهر التصوير الفوتوغرافي؟)، او بعبارة أخرى، ما العنصر الذي يجمع كل الصور الفوتوغرافية، ويميزها عن المجالات ذات الصلة، كالسينما؟..
التصوير الفوتوغرافي كعملية ميكانيكية
بدأ بارت بحثه باكتشاف ما ليس تصويرا فوتوغرافيا، وكيفية اختلافه؛ فبدأ بمقاله «بلاغة الصورة» (1964)، وكتب: "الصورة الفوتوغرافية تُلتقط ميكانيكيًا، لا بشريًا"، فالرسام يجلس أمام موضوع، ويضع الطلاء؛ فتنتهي الصورة الى تفسير بشري لواقع يؤخذ ليحول إلى تفسير غير واقعي، بينما ضغط الغالق عملية ميكانيكية بحتة؛ فلا تحويل فني للواقع إلى غير واقعي، والصورة الفوتوغرافية نسخة حرفية من الواقع، مع الاعتراف بـ(فنية) ضبط تكوين الأشياء، والتحرير، و(التلاعب) بالضوء واللون؛ ولكن الشيء المصور يظل نقطة مرجعية حقيقية وثابتة، وتبقى الصورة الفوتوغرافية نسخةً آليةً للواقع.
بهذا المعنى، يمكننا القول: إن اللوحات تمثل، بينما الصور الفوتوغرافية تُقدّم.
التصوير الفوتوغرافي كظاهرة ما قبل الثقافة
أكد بارت (١٩٦٤) ان: «التصوير الفوتوغرافي رسالةٌ بلا شفرة»، وقد يبدو هذا أكثر تعقيدًا للوهلة الأولى، لكن يمكن تبسيط المفهوم، بوجود علاقة مفتوحة بين الدال والمدلول في الرواية مما يوسع الآفاق لتأويلات متعددة، بينما العلاقة بين الدال والمدلول مختلفة في التصوير الفوتوغرافي، فالصورة الفوتوغرافية تُلتقط آليًا لا بشريًا، وهي نسخة طبق الأصل من الواقع، والفجوة بين الواقع والخيال، بين الشيء والتمثيل، والتي ننطلق منها لتفسيراتٍ مُتعددة، غير موجودة في التصوير الفوتوغرافي. فكما أن واقع الشيء المُصوّر ثابت، كذلك تفسيرنا له.
هل يُمكن تفسير الصورة الفوتوغرافية؟
لو توقف بارت عند هذا التحليل، لأثّرَ بالغ الضرر على الفوتوغرافيا؛ فإذا كان الفوتوغرافيا مجرد سجلٍّ مُجرد لما هو كائن فالصورة ليست سوى مرآة للواقع، ولا تحمل في طياتها أي معنى، وأي مجال للتفسير. فالثقافة تسبق التفسير بالضرورة. وبالتالي، إذا لم يكن للصور الفوتوغرافية أي معنى، فهي تُعتبر نتاجًا ما قبل ثقافي، لأن التفسير مُتأثر بالثقافة.
لذلك، لم يعد بإمكاننا تفسير معنى الصور الفوتوغرافية، لأن ذلك يُعد فرضًا لموقف ثقافي، وبالتالي سوء فهم لطبيعتها (أي اعتبارها ما قبل ثقافية).
هذا الأمر يضرّ فعلاً بالتصوير الفوتوغرافي كفن. ومع ذلك، يتناقض هذا الاستنتاج مع تجاربنا الشخصية مع التصوير، ومع المعاني العميقة التي نستخلصها منه. فما العمل إذن؟
قدّم رولان بارت حلاً، عبر المجادلة بأن غياب الشفرة يصبح هو الشفرة بحد ذاتها للتصوير الفوتوغرافي. أي أن المعنى الظاهر للصورة يصبح موضوعياً، لأن الشيء المصوّر حقيقي بالضرورة. على عكس اللوحة، التي يمكن تخيّل منظرها الطبيعي، يجب أن يكون موضوع الصورة موجوداً بالضرورة. هذا يُسقط الواقع والماضي على الصورة، على عكس السينما والأدب.
يخلص بارت إلى أن هذا هو العنصر الفريد، في الفوتوغرافيا، ويسميه («النويم» (noeme)): أنه يلتقط «ما كان»، وأن ما يدل عليه حقيقي بالضرورة.
تجربة الذات
يقول بارت (1980) إننا عندما نقف أمام الكاميرا، نختبر ذواتنا بأربع طرق مختلفة؛ فنحن في آنٍ واحد: نعتقد أننا كذلك، ونريد أن يعتقد الآخرون أننا كذلك، ويعتقد المصور أننا كذلك، ويستخدمنا المصور لأغراضه الفنية؛ ونتيجةً لذلك، نميل إلى الشعور بعدم الأصالة عند الوقوف أمام الكاميرا. وكأننا نمر بأزمة هوية مصغرة في كل مرة أمام العدسة. وكما وصفها بارت (1980) بنفسه: «لستُ ذاتًا ولا موضوعًا، بل ذاتًا تشعر بأنها تتحول إلى موضوع: حينها أختبر نسخة مصغرة من الموت» الذي هو مفهوم أساسي وجوهري في الصورة الفوتوغرافية، سواءً بالنسبة للذات أو للمتفرج.
تجربة المتفرج
عند تحديد جوهر التصوير الفوتوغرافي - «ما كان» - ركز بارت على تجارب «المتفرج» الذي يتلقى الصورة عبر عنصران منفصلان في الصورة هما: الدراسة (The studium)؛ و النقطة المحورية (The punctum).
1. تعني الدراسة (The studium): «ذلك المجال الواسع جدًا من الرغبة غير المبالية، والاهتمامات المتنوعة، والأذواق غير المهمة.»، وتنشأ من معرفة ثقافية معينة تسمح لنا بتحديد: نيات المصور، ودلالات الصورة.
إنّ تعليمي، الذي تلقّيته من الثقافة، يُتيح لي رؤية كل صورة كمثال على شيء ما.
فعلى سبيل المثال، قد تُثير صورة تُصوّر الفقر وعمالة الأطفال اهتمامي الواسع بعدم المساواة، وتُشير إلى نية المصوّر، كأن يُشير إلى أن النظام الاقتصادي كان/لا يزال بحاجة إلى تغيير. في هذا السياق، تُخاطب الصورةُ إدراكي المعرفي، فهي تتطلّب معرفةً مُحدّدة (ناتجة عن الثقافة) وتستند إلى هذه المعرفة لتُجسّد حالةً ما.
يعمل الإدراك المعرفي على مستويين من المعنى: الظاهر والضمني. وان المعنى الظاهر هو ببساطة الشيء الذي تُصوّره الصورة: هذه التفاحة، ذلك الملك، الفقراء، أما المعنى الضمني، فهو ما تُوحي به الصورة في رمزيتها: على سبيل المثال، أن الفقراء يعيشون تحت نظام قمعي، بحاجة إلى تغيير.
2. وتعني النقطة المحورية (The punctum): إنّ ينصب التركيز على مشهدٍ ما مقصود؛ فالمصور يدرك أنه من خلال تصوير مشهدٍ محدد، بتكوينٍ معين من الأشخاص والأشياء، فإنه يجذب الانتباه إليه.
وتُعدّ صورةٌ معينة تُجسّد إصابات ومعاناة المدنيين في الحرب مثالاً على المفهوم العام لوحشية الحرب، وهو مفهومٌ ثقافي. هنا، المعنى الظاهر والمعنى الضمني واضحان، وان عنصر النقطة المحورية في الفوتوغرافيا عرضي، لا يقصد المصور وجوده. ويعني، بحسب بارت، في اللاتينية، ما "يلسع" أو "يجرح" أو "يؤذي":
" النقطة المحورية في الفوتوغرافيا هي تلك الصدفة التي توخزني (بل وتؤلمني، وتؤثر فيّ بشدة) " (ص 27)، وتتراوح أمثلة النقطة المحورية: من أظافر رجل غير مهذبة إلى ياقة صبي كبيرة الحجم. هذه كلها سمات عرضية تُثير رد فعل غير متوقع لدى المشاهد، واستجابة عاطفية عميقة تجذبنا إلى بعض الصور، متجاوزة المعنى الظاهر والضمني، وبشكل عام، يمكننا القول إن (الدراسة) تخاطب العقل، بينما تخاطب (النقطة) المشاعر، فالنقطة: «ما أضيفه إلى الصورة وما هو موجود فيها أصلاً» (بارت، 1980)؛ فثمة مفارقة هنا، فالنقطة المحورية تتطلب المشاهد، ومع ذلك فهي موجودة بمعزل عنه، لأنها «موجودة» بالفعل بانتظار الاكتشاف.
لقد أنقذ بارت تعريفه الإشكالي لمفهوم "النقطة المحورية" (punctum) بالقول إننا نستطيع الرجوع إلى جوهر التصوير الفوتوغرافي (ما كان).
رولان بارت: التصوير الفوتوغرافي، الزمن، والموت
في الجزء الثاني من كتاب «الغرفة المضيئة» (Camera Lucida)، يُقدّم بارت مفهومًا جديدًا للنقطة، ففكرة الزمن حاضرة في كل صورة فوتوغرافية، ليُقال إن الصورة تُجمّد الزمن، لكنها في الواقع انعكاسٌ لطبيعة الزمن الثابتة التي لا تلين.
عندما ننظر إلى صورة أحد أقاربنا، نعلم - بحكم جوهر التصوير الفوتوغرافي ("ما كان") - أن هذا الشخص كان موجودًا بلا شك. ومع ذلك، عند مشاهدة هذه الصورة في الحاضر، نتذكر أن هذا الشخص سيموت أو قد مات بالفعل. وندرك أيضًا أن هذا الحاضر، الذي نشاهد فيه الصورة، سيصبح ماضي المستقبل، وأننا سنموت نحن أيضًا. وهكذا، تجمع كل صورة بين الماضي والحاضر والمستقبل، مجسدةً الزمن وموحيةً بالموت: الشخص المصوَّر كان موجودًا، وسيموت يومًا ما. ومن جهة أخرى، يكمن التأثير فيما يضيفه المشاهد: فهو يرى "علامة الموت المُلِحّة" (ص 97) في هذا التداخل بين الماضي والحاضر والمستقبل.
وهكذا، فإنّ " النقطة المحورية" هي نتيجة جوهر التصوير الفوتوغرافي (ما كان)، وهي في الواقع ما هو موجود بالفعل، بالإضافة إلى ما يُضيفه المشاهد. وبعيدًا عن ذاتية مشاعرنا، فإنّ موضوع الزمن الجامع، وما يحمله من دلالة على الموت، هو ما يُؤلمنا حقًا. لذا، في المرة القادمة التي تجد نفسك فيها غارقًا في صورة فوتوغرافية، تذكّر بارت، و"الدراسة"، و" النقطة المحورية"، لتفهم بشكل أفضل ذلك الشعور الذي لا يُوصف.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

اليتيمة

ما هي علاقتي بالمعمار والمفكر أستاذي رفعة الجادرجي؟

أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال

إنصات ليس عن بُعد

فاضل السوداني: فرقة المسرح الحديث مدرسة كونت فكري المسرحي وذاتي كإنسان

مقالات ذات صلة

رولان بارت: فلسفة التصوير الفوتوغرافي
عام

رولان بارت: فلسفة التصوير الفوتوغرافي

ترجمة واعداد:خنساء العيداني التصوير الفوتوغرافي قبل رولان بارت نظر النقاد إلى الصورة الفوتوغرافية كوسيلة لتحقيق غاية خارجية كالحدث التاريخي، والأهمية الاجتماعية، وجوانبها التقنية؛ وليس كغاية في ذاتها؛ حتى نشر بارت كتابه «الغرفة المضيئة» (١٩٨٠)،...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram