TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: أعظم هدية في العالم

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

نشر في: 2 مارس, 2026: 12:04 ص

 ستار كاووش

أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه، علينا أن نفكر بشيء فريد لم يفعله أحد، أن نتخطى المألوف والمتعارف عليه، لا نكرر ما فعله الآخرين ولا نسير على ذات الدروب التي مشوها. لا يهم أن كانت الهدية صغيرة أم كبيرة، بل أن تحمل رمزية خاصة وقيمة تتشابه مع شخصية وروح الإنسان الذي نمنحها له.
لكن بين كل أنواع الهدايا التي نعرفها، هل يمكن أن يمنح الإنسان غابة لمن يحب؟ وليس هذا فقط، بل غابة كأنها جنة حقيقية! نعم يمكن ذلك، وهذا ما فعلهُ بيدرو مارتن أورتيتا حين أهدى لزوجته الراحلة، هدية تشبه الأعجوبة، أهداها شيئاً فيه حياة، شيئاً لا يموت، بل ويكبر مع الزمن، شيئاً يعادل حياة جديدة لزوجته، بعد أن توقفت حياتها وهي بعمر الشباب بسبب المرض. نعم لقد أهداها غابة تصدر موسيقى إذا لامستها الريح.
هكذا أمضى الفلاح الأرجنتيني بيدرو مارتن أوريتا سنوات طويلة جداً يزرع الأشجار محولاً أرضه الواسعة الى غابة على شكل غيتار وذلك تكريماً لذكرى زوجته غراسيليا التي توفيت في عز شبابها، حيث كانت تحب الموسيقى وتحلم أن تكون لديهما مزرعة بهيئة غيتار. وهكذا بعد عامين من وفاتها شَمَّرَ بيدرو عن ساعديه وبدأ بمساعدة أبناءه الأربعة بزراعة سبعة آلاف شجرة من أشجار السرو، لتشكل هذه الأشجار في النهاية شكلاً لغيتار، فيما زرع مجموعة من أشجار الكينا الزرقاء كعنق للغيتار. وقد إستمر العمل بهذا المشروع سنوات طويلة جداً، حيث إستعان بأطفاله وأطفال القرى المجاورة في تحديد هيئة الغيتار بدلاً من أدوات المسح والهندسة التقليدية.
يمكن مشاهدة هذا الغيتار العملاق من خلال الطائرة، والمفارقة أن بيدرو ذاته كان يخاف من الطيران، لذا لم يستطع رؤية هديته من الأعلى. مع ذلك مضى بمشروعه الفريد دون تردد رغم الانتقادات الكثيرة التي واجهها من المزارعين ومصممي الحدائق. سارَ بمشروعه الى الأمام وكأنه يمد يده نحو زوجته الغائبة، وليخبرها بأنها ما زالت في قلبه ويريها كيف كبر أبنائهما وساعدوه على إنجاز هذا المشروع الذي يشير اليها والى ذكراها. وهكذا إختفى ضجيج الانتقادات بعيداً، وتحولت هذه المزرعة الى عمل فني خالد، حيث صارت تظهر حتى على خرائط غوغل، كذلك سجلها المرصد التابع لناسا. ليتحول الأمر في النهاية الى نصب تذكاري يجسد معنى الحب الذي لا يعرف الحدود، ويُشير الى الوفاء الذي يتخطى المألوف.
هكذا صارت غابة الغيتار تكبر وتتضح ملامحها أكثر مع مرور السنوات، وبعد مرور أربعين سنة على ذلك، مازال شكلها الساحر يثير البهجة لراكبي الطائرات الذين صاروا يتناقلون حكاية وحياة هذا المزارع الذي حوَّلَ الغابة الى موسيقى وجعلَ الذكرى نغم، وفوقَ كل هذا أبقى حبه الوحيد على قيد الحياة.
وقد إبتدأت هذه الفكرة حين كانت غراسيليا ذات يوم تُسافر بالطائرة، وشاهدت من الأعلى مزرعة على شكل دلو حليب، فأعجبها التصميم والفكرة كثيراً، وطلبت من بيدرو أن يحَوِّلَ مزرعتهما الى شكل غيتار، هذه الآلة الموسيقية التي كانت لا تفارقها وتعزف عليها كثيراً، بعدها تأجل الموضوع الى وقت آخر. لكن القدر لم ينتظر، فقد توفَّت غراسيليا وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، تاركة زوجها مع ابنائهما الصغار في المزرعة. ليُحيِي هذا الزوج تلك الفكرة من جديد منفذاً رغبة زوجته الراحلة. فبدأ برسم خطوط بسيطة وعامة حدد من خلالها الشكل الخارجي للغيتار، ليستمر العمل في المشروع سنوات طويلة جداً، حتى صار مشهداً مُهيباً وأعجوبة جمالية تُبهر كل من يراه، حيث يغفو الغيتار بحجمه الكبير وطوله الذي يزيد عن كيلومتر وسط المزارع، كشاهد أبدي وتلويحة محبة لتلك الزوجة. ولم يهتم بيدرو كونه لم يستطع مشاهدة عمله من الأعلى بسبب خوفه من ركوب الطائرات، لكنه كان يقف وينظر الى الأعالي كأنه يريد أن تراه زوجته البعيدة، زوجته التي مازالت همساتها تملأ المكان.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram