متابعة / المدى
تدخل المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مرحلة أكثر تعقيدًا، بعد إعلان الهلال الأحمر الإيراني، اليوم الاثنين (2 آذار 2026)، استشهاد 555 شخصًا جراء الهجمات، في وقت وجّهت فيه طهران رسالة رسمية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، محمّلة واشنطن وتل أبيب المسؤولية الكاملة عن تداعيات ما وصفته بـ”العدوان”.
وقال الهلال الأحمر الإيراني في بيان إن 131 قضاءً في البلاد تعرضت لحوادث مختلفة خلال الأيام الأخيرة نتيجة الهجمات، مؤكدًا أن عمليات الإنقاذ والإغاثة وانتشال الضحايا ونقلهم وتقديم الخدمات العلاجية مستمرة بشكل متواصل. وأشار إلى أن أكثر من 100 ألف مسعف ومنقذ في مختلف أنحاء البلاد في حالة استنفار كامل.
في السياق السياسي، وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الاثنين (2 آذار 2026)، رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ورئيس مجلس الأمن الدولي، على خلفية الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي، الذي قالت طهران إنه أسفر عن اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
وأوضح عراقجي في رسالته أن “الولايات المتحدة وإسرائيل ارتكبتا ضمن سلسلة جديدة من الأعمال العدوانية وغير المبررة، انتهاكًا صارخًا لسيادة إيران وسلامتها الإقليمية، عبر استهدافهما المتعمّد، في 28 شباط، أعلى مسؤول رسمي في دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة”.
ووصف وزير الخارجية الإيراني العملية بأنها “عمل إرهابي جبان”، معتبرًا أنها تشكل خرقًا فاضحًا للفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، واعتداءً مباشرًا على مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك حظر استخدام القوة، ومبدأ المساواة في السيادة بين الدول، وحصانة رؤساء الدول.
وحذّر عراقجي من أن مثل هذه الأفعال تفتح الباب أمام “نهج خطير وغير مسبوق” من شأنه تقويض الأسس الجوهرية للنظام الدولي والسلوك المنظم في العلاقات بين الدول، مؤكدًا أن رؤساء الدول يتمتعون بالحصانة بموجب القانون الدولي باعتبارها شرطًا أساسيًا لأداء مهامهم بصورة مستقلة. وأضاف أن الاستهداف المتعمّد لأعلى مسؤول رسمي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يُعد انتهاكًا جسيمًا لقواعد العلاقات الدولية، وقد يقود إلى تداعيات خطيرة وغير متوقعة تهدد استقرار النظام الدولي ومبدأ المساواة في السيادة. وأشار إلى أن علي خامنئي لا يُعد فقط أعلى مسؤول رسمي في البلاد، بل يمثل أيضًا مرجعية دينية تحظى باحترام واسع في العالم الإسلامي، معتبرًا أن استهدافه يحمل تبعات شاملة تقع مسؤوليتها على عاتق الجهات المنفذة.
وختم عراقجي رسالته بالتأكيد على “حق بلاده الأصيل والمشروع في الدفاع عن سيادتها وسلامتها الإقليمية وحماية شعبها”، استنادًا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
على صعيد متصل، أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، اليوم الاثنين (2 آذار 2026)، أن إيران لن تتفاوض مع الولايات المتحدة في الظروف الراهنة، رافضًا أي محاولة لاستئناف حوار ثنائي مع واشنطن وسط تصعيد عسكري واسع في المنطقة.
وقال لاريجاني في منشور على منصة “إكس” إن الحكومة الإيرانية لن تتفاوض مع الولايات المتحدة على خلفية الوضع الأمني الراهن، مجددًا موقف طهران الرافض لأي حوار ثنائي في ظل استمرار العمليات العسكرية المتبادلة.
ميدانيًا وإقليميًا، انتقلت المواجهة من نطاقها الثنائي إلى معادلة أوسع، مع توسيع طهران دائرة الاستهداف لتشمل دولًا خليجية وعربية، ما أعاد طرح تساؤلات مباشرة بشأن الأمن الإقليمي، ومضيق هرمز، واستقرار المنطقة عمومًا.
وفي قراءة تحليلية لتداعيات التصعيد، قال الباحث في شؤون الشرق الأوسط في مركز الإمارات للدراسات، عبد الرحمن الحدادي، في حديث إلى “سكاي نيوز عربية”، إن التداعيات باتت ملموسة على مستوى المنطقة ككل، سواء من الناحية الاقتصادية أو على صعيد الشعور بالأمن العام.
ويرى الحدادي أن فهم المشهد يقتضي مقاربة من زاوية كيفية تفكير إيران ومنطلقات سلوكها تجاه دول المنطقة، معتبرًا أن طهران تنظر إلى هذا السلوك بوصفه أحد عوامل الردع التي تراهن عليها. وأشار إلى أن إيران كانت تعتمد سابقًا على مجموعة أوراق ردع، في مقدمتها الأذرع الإقليمية وعوامل استراتيجية أخرى، إلا أن هذه الأوراق أُضعفت بشكل كبير خلال العامين الماضيين.
وأضاف أن طهران كانت تلوّح باستهداف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة، وبخيار إغلاق مضيق هرمز، لكنها لم تتجه عمليًا إلى هذا المسار نظرًا لكونه الأعلى كلفة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. غير أن محدودية الخيارات المتاحة حاليًا، بحسب الحدادي، دفعت إيران إلى ما وصفه بـ”السلوك السلبي غير البنّاء”، في إشارة إلى توسيع دائرة الاستهداف.
وأشار إلى أن هذا التحول يضع المنطقة أمام مستوى جديد من المخاطر، في ظل ارتباطه المباشر بأمن الملاحة والطاقة والاستقرار الاقتصادي.
في المقابل، لفت الحدادي إلى أن دول الخليج سعت، عبر ما وصفه بـ”مساعيها الحميدة”، إلى تجنيب المنطقة الانزلاق نحو مواجهة أوسع. واستحضر البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية الإماراتية، وكذلك تصريحات أنور قرقاش وريم الهاشمي، موضحًا أنها تضمنت ثلاث رسائل رئيسية: إدانة الهجوم، والتأكيد على قدرة الدولة على التعامل مع مثل هذه الأحداث، ودعوة إيران إلى العمل مع دول الجوار والنظر إليها باعتبارها “جزءًا من الحل وليس جزءًا من المشكلة”.
وشدد على استمرار المطالبة بتعقل الجانب الإيراني وعدم جرّ المنطقة إلى مزيد من التصعيد، محذرًا من أن الاستمرار في هذا المسار قد يفاقم الوضع ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
داخليًا، وصف الحدادي المشهد في طهران بأنه “معقّد جدًا”، في ظل مرحلة انتقالية تتسم بالانتقال من وجود مرشد يتمتع بمرجعية سياسية ودينية ذات طابع مؤثر في القرار الإيراني، إلى صيغة مجلس قيادي ثلاثي يضم ثلاثة أشخاص بتوجهات مختلفة.
وأوضح أن هذه الصيغة تطرح صعوبة في إدارة التوافق داخل المجلس، فضلًا عن صعوبة التوفيق بين قراراته وبعض الفاعلين داخل النظام، وفي مقدمتهم الحرس الثوري الإيراني. وأشار إلى أن المادة 111 من الدستور الإيراني نصّت على إيجاد هذا المجلس في سياق مختلف، لم يكن فيه الحرس الثوري يتمتع بالحضور السياسي والاقتصادي والأمني الراهن.
وبيّن أن استحداث مجلس الدفاع الوطني لتولي إدارة المشهد الدفاعي خلال الأزمات يعكس تعدد مراكز القوة داخل النظام، ما يعني غياب مرجعية واضحة كما في السابق، ويفتح المجال أمام احتمالات التنافس وربما الاستقطاب داخل النخبة الإيرانية إذا ما استمرت هذه الحالة.
وتنص المادة 111 من الدستور الإيراني على ضرورة اختيار مرشد جديد “بأسرع وقت ممكن”، إدراكًا لمخاطر إطالة الفترة الانتقالية على تماسك النظام. غير أن الظرف الأمني الحالي، بحسب الحدادي، قد يعقّد عملية اجتماع مجلس الخبراء لانتخاب مرشد جديد، ما يزيد من حساسية المرحلة.
ويخلص الباحث إلى أن المرشد القادم سيكون مطالبًا بإدارة التوافقات مع الحرس الثوري والحصول على دعمه، مؤكدًا أن القرار في إيران لا تحكمه زاوية دينية فحسب، بل يتأثر بعوامل سياسية ومؤسساتية، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة في ظل تصعيد إقليمي غير مسبوق.










