TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

نشر في: 3 مارس, 2026: 12:03 ص

د.كاظم المقدادي

(1 - 2)
أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية المتعاقبة بالمستوى المطلوب، بل وإتسمت بالتستر والتضليل، تارة، وبالتجاهل والإهمال السافر، تارة أخرى. وعدا هذا لم تأخذ بالمقترحات والمشاريع المكرسة للتنظيف والعلاج، العراقية والأجنبية، ومنها ورشة العمل الدولية التي نظمتها الجامعة التكنولوجية في ليليو بالسويد خصيصاً لمساعدة العراق على التخلص من مخلفات اليورانيوم المشعة. كما وتجاهلت المستجدات العلمية التالية:
ان ذخائر اليورانيوم الأمريكية مصنعة من نفايات نووية خطيرة، تضم اليورانيوم " المنضب»(DU) بنظرائه الثلاثة: U-234و U-235 وU-238، بالأضافة الى عناصر إشعاعية أخطر، مثل النظير (U-236)، و(البلوتونيوم) و(الأمريشيوم) و(النبتونيوم) والتكنشيوم، وغيرها، شديدة الإشعاع، التي لا توجد في الطبيعة، وإنما تصنع في المفاعلات الذرية،.وقد وجد العديد منها في دم الضحايا.
وتبن بان حوالي 70% من اليورانيوم "المنضب" الموجود في القذيفة يتحول الى غبار كثيف عند إصطدامها بالهدف،حيث يحترق بدرجات حرارة عاليه تصل (3-6 اَلاف) درجة مئوية، وينتج عن الانفجار سحابة مكونة من ترليونات جزيئات أوكسيد اليورانيوم، بحجم اقل من 5 ميكرون µm)) (الميكرون يُعادل جزءاً من مليون من المتر. (وتعمل هذه الجزيئات النانوية Nanoparticles وكانها غاز اكثر من كونها جسيمات.
ويبقى غبار اليورانيوم "المنضب" محمولا في الهواء لفترات زمنية طويلة، وينتقل الى أماكن بعيدة.وهذه هي اخطر طريقة للاضرار بالسكان المدنيين القاطنين جول ميادين القتال- برأي العالمة الأمريكية الكندية الراحلة روزاليا برتل.
حيال هذا،أعلن خبراء في مجال الأشعاع والطب النووي، من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، تشكيكهم في مزاعم البنتاغون النافية لوجود خطر من ذخائر اليورانيوم، في وقت وجدت فيه جزيئات من محتوياتها في مجرى دم وعظام ضحايا. وأعلن جون فرانسوا لا كرونيك- مدير "الوكالة الوطنية للوقاية من الإشعاعات" التي تشرف على سلامة العاملين في مصانع الطاقة النووية في فرنسا، بأنه وجد الـ DU مخزّنا في العظام ، وما دام قد دخل العظام فانه سيصل إلى النخاع. ويمكن لأي إشعاع منه ان يسبب سرطان الدم إرتباطاً بطول فترة التعرض له.
ومن المستجدات العلمية المهمة الأخرى: كشف العلماء ان لا وجود لجرعة آمنة لإشعاع اليورانيوم، مهما كانت واطئة،وليس هناك ما يسمى بمستوى تأثير سلبي غير ملاحظ. وبذلك صححوا المعرفة القديمة السائدة، القائلة بان أشعة (الفا) " ليست خطرة " على الإنسان، ويمكن صدها بورقة عادية.
وقد وجد العالم الأمريكي من أصل كرواتي أساف دوراكوفيتش أن 1 ملليغرام من اليورانيوم يطلق خلال سنة 390 مليون من أشعة (الفا)، و780 مليون من أشعة ( بيتا)، بالاضافة الى اشعة غاما. وإن الملليغرام الواحد من النظير (238- U) ينتج في اليوم الواحد مليون و70 ألف من أشعة (ألفا). ويطلق كل جزيء من أشعة (ألفا) أكثر من 4 ملايين ألكترون فولت (MeV). وعند بلع او استنشاق هذا القدر من الطاقة الإشعاعية، فانها تدمر اقرب 6 خلايا في عضو الجسم . ويحتاج تفكك الحامض النووي DNA)) المخزون في الخلية الى 6-10 الكترون فولت(eV) فقط.
وهكذا فان أشعة (ألفا) قادرة ان تسبب، بطاقتها الاشعاعية والتأينية العالية، تدميراً خلوياً Cellular damage جسيماً للبناء الحيوي لجسم الانسان، مهاجمة البلعوم والرئتين والعقد اللمفاوية والكلى والدم والعظام والدماغ والكبد والمعدة والمبايض، وحتى الاجنة بأكملها.إضافة لما تسببه نواتج التفاعل من جزيئات أشعة (بيتا) و(غاما) من تلف إشعاعي إضافي.
ومع أن اليورانيوم "المنضب" قد "لا يشكل" ضرراً خارجياً ملحوظاً، إلا أنه يشكل ضرراً داخلياً جسيماً،عن طريق تنفس أو بلع جزيئاته، التي تتحول داخل الجسم الى مصدر دائم لانبعاث أشعة (الفا)، ولسميتها وأضرارها، مسببة العديد من الامراض الخطيرة، إذ بإمكانها ان تتلف الأجنة، والانسجة اللمفاوية، والكلى، والجهاز العصبي، والعظام، وزيادة مخاطر الاصابة بانواع السرطان والاورام الخبيثة..
وأكدت دراسات هامة بأن 57 % من جزيئات اوكسيد اليورانيوم عند دخولها الجسم عبر التنفس وشرب المياه وبلع الطعام الملوث، تبقى غير ذائبة، ولا تخرج منه، حيث تسير جسيمات اليورانيوم مع الدم وتستقر في الغدد اللمفاوية والكلى والعظام والدماغ والأجهزة التناسلية، وغيرها، وتتلفها.
وفسرت العالمة برتل الاضرار المحتملة لليورانيوم "المنضب" في الجسم البشري: بعد استنشاق الهباء الجوي لجزيئاته النانوية، بانها تعبر الحاجز الدموي في الرئه، وتكتسب مدخلا الي خلايا الجسم الأخرى، وهذا ينتج جذور حرة Free radicals. ونتيجه لكون اليورانيوم "المنضب" معدن ثقيل، فان سميته الكيميائية تهاجم البروتين في الخلايا،التي تقوم عادة بمحاربة الجذور الحرة. وبذا ينتج مزيد منها. ويؤدي هذا الي فشل الانزيمات الوقائية، مما يترك خلايا الجسم عرضة للفيروسات والفطريات . كما وتسبب أضراراً لحهاز الاتصالات الخلوية والحبيبات الفتيلية (Mitochondria).
وكشف عالم البيولوجيا التجريبية البريطاني روجرز كوجهيل، أمام المؤتمر الدولي الذي عقد في لندن، وكرس لأضرار اليورانيوم "المنضب"، العلاقة بين اليورانيوم "الناضب"،الذي إستُخدم في العراق وانواع السرطان التي إنتشرت، موضحاً بان جزيئاً واحداً من هذه الـ DU يستقر في عقدة لمفاوية كفيل بتدمير جهاز مناعة الجسم بالكامل، الامر الذي ينجم عنه انواع خطيرة من السرطان وتشوهات الاجنة.
ولعل أخطر ما كشفه العلماء هو ان أشعة (الفا) المنبعثة من اليورانيوم "المنضب" تتميز بخصائص خطيرة فريدة، مثل: تاَزر فعل ((Synergic effect سميتها الكيميائية والأشعاعية، أي أنهما تفعلان فعلهما معاً وفي اَن واحد. والخاصية الفريدة الأخرى، غير المعروفة علمياً من قبل، وسميت Bystander effect (ترجمناها:" التأثير بالجيرة")،التي أثبتت مكتشفتها العالمة الأمريكية الكساندر سي ميللر، بان هذا الأشعاع لا يتلف الخلية المتأثرة به مباشرة، فحسب، بل ويؤثر على الخلية السليمة المجاورة لها، فتتلف هي الأخرى ، وهذه تؤثر على جارتها،وجارتها تؤثر على جارتها، وهكذا دواليك.
وبذلك، فان خطرها يهدد الجسم بكامله إرتباطاً بعمر النصف لليورانيوم "المنضب" (المدة الزمنية اللازمة للنظير المشع كي يفقد فيها 50 في المئة من نشاطه الأشعاعي) الذي يتجاوز 4 مليارات سنة.
سقنا هذه المقدمة العلمية الطويلة لننبه من جديد الى خطورة التلوث الإشعاعي الناجم عن إستخدام نحو 3200 طناً مترياً من اليورانيوم "المنضب، في حربين مدمرتين، وما خلفه من ركام مشع في أرجاء العراق بلغت بالآلاف- حسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة((UNEP، بينما قدرها (مركز الوقاية من الإشعاع) التابع لوزارة البيئة بأنها 360-400 موقعاً. ولم يتم تنضيفها كلها لحد اليوم، ويسعى مسؤولون في جهات رسمية معنية الى التعجيل بإعلان "خلو العراق" من التلوث الإشعاعي، بينما لم يتم تنظيف العراق منه، ويتم بإستمرار الكشف عن مواقع جديدة ملوثة، في بغداد والمحافظات الأخرى، واَخرها جسر الطوبجي ببغداد. وهو ما إنتقدناه في " المدى"( العدد: 5709، في 19/7/2024). وحذرنا من خطورته.وتساءلنا طيلة العقدين المنصرمين في العديد من وسائل الإعلام، بما فيها مجلة وزارة البيئة، متى يتم تنظيف البيئة العراقية من التلوث الإشعاعي ؟
وبنفس الوقت ما سقناه هو رد على بيان (الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية العراقية) بشأن تلوث جسر الطوبجي،الذي تستهين فيه بالتلوث الإشعاعي في الجسر، مفندة " شائعات وجود التلوث الإشعاعي"، مؤكدة بان " الجسر اَمن تماماً" ، نافية " ما يتم تداوله حول وجود مخظر إشعاعية "، معتبرة إياه "تهويل إعلامي" !!..بينما هي تعترف بوجود التلوث، لكنه " محدود وموضعي وغير قابل للإنتشار، وتمت السيطرة عليه، ولا يشكل أي تهديد للصحة العامة أو البيئة ".ودعت المواطنين إلى "عدمِ الانجرار وراء الشائعات أو التهويل، والاعتماد على البيانات الرسمية الصادرة عنها"، والتي جاءت دون المستوى المطلوب، ومتناقضة، ومليئة بالمفارقات.
لقد بدت الهيئة غير مرتاحة للقلق الذي أبداه المواطنون، ناسية أو متناسية ان القلق الذي أثاره الحادث هو قلق مشروع ، وهو، في كل الأحوال، أفضل من التجاهل واللامبالاة تجاه وجود الإشعاع ومخاطره ..
المفارقة ان التلوث الإشعاعي لم تكتشفه فرق الهيئة الحكومية، ولا أي جهة رسمية معنية، وإنما كشفه مواطن عراقي، بجهازه الخاص.ويبدو انه من شهود قصف الجسر بقذائف اليورانيوم "المنضب"، من قبل غزاة العراق في عام 2003. وتداول المواطنون الفيديو الذي سجل عملية الفحص وكشف التلوث الإشعاعي، في وسائل التواصل الأجتماعي..و بفضل ذلك تحركت الجهات الحكومية نحو الموقع للتأكد من تلوثه إشعاعياً.
وهذه ليست المرة الأولى التي يكشف المواطنون التلوث الإشعاعي قبل الجهات الرسمية المعنية. فقد
حصل ذلك في بناية المطعم التركي السابق، وفي مدرسة ببغداد، وفي أماكن أخرى في المحافظات. ويفترض ان تنمي الهيئة الوطنية المذكورة هذا الوعي وتثمن الميادرات، لا ان تنزعج منها..

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram