TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: الثورة التي خسرتُها ذاتَ يوم

قناطر: الثورة التي خسرتُها ذاتَ يوم

نشر في: 4 مارس, 2026: 12:03 ص

طالب عبد العزيز

كنتُ ما أزال شاباً؛ أعي حقيقة النظام البهلوي، حين حطّت طائرةُ السيد روح الله الموسوي الخميني في المطار، وبامّ عيني هاتين؛ كنتُ شاهدتُ الطفلة الصغيرة، وهي تمشي بقدميها الصغيرتين على أكتاف الحشود، التي تراصت في حديقة الزهراء بطهران، ومع كل الايرانيين المتطلعين الى الحياة الكريمة وقفت، انصتُ للأصوات التي تنادي بالحرية، وأسمعُ جيب قلوب الملايين، الذين أُضطهِدوا على ايدي شرطة السافاك، آنذاك، وكنتُ مؤمناً بأنّ ما حدث كان ثورة شعبية، أجتمعت عليها أطياف المجتمع الإيراني كلها، لذا، فهي ثورة شعبية عظيمةٌ، لا تقارن الا بالثورة الفرنسية وسقوط الباستيل، وثورة البلاشفة الذين اقتحموا قصر الشتاء في موسكو، ومع الحشود تلك ذهبت في الحلم بعيداً، الحلم الذي سياخذني فيما بعد الى المُكث ثمانية أعوام، في حفرة، تحت الأرض، جندياً مساقاً من ياقتي، مثل خروف الى مسلخ لا امل لي في العودة منه. نعم، كان النظام في العراق وراء ذلك، لكنه لم يكن وحده أيضاً.
ويوماً اثر آخر اوقف نفسي على يقين يقول: بان ما يحدث ليس اكثر من مؤامرة ضدي، وهي حروب لا تخصّني. قتل اخي في الحرب، وتحملتُ عبء عائلته وعائلتي، فزادني ذلك يقيناً، بأنّض ما يحدث كان يجب ألا يحدث، وتغربت عائلتي في المدن، هاربةً من قصف مدافع السيد، طالت الحربُ والعالم يتوسلُه قبولاً، بانهاء الحرب، لكنه ظلَّ يابى ويابى حتى تجرع كاس السم وذهب الى دار حقه.. وهنا سأتذكرُ بأنَّ أمّي الشيعية كانت تمررُ يدها على الشاشة، وتمسح بها وجهها حين تظهر صورته في نشرة أخبار تلفزيون الكويت.
قلت في صفحات كثيرة بانني احبُّ الشعب الايراني، وتربطني صداقات، وصداقات مع ادباء ومثقفين في طهران ومدن اخر، وكلنا يتطلع الى حياة افضل، بعيداً عن العنت والتشدد وفرض المعتقد، ومعاً نسعى الى نهر الحرية، بمياهه الطاهرة ومانيه السامية والحياة الكريمة، لكن ذلك كان يصطدم بعقبات لا حصر لها. فالقاعدة تقول: اذا كان عليك لزاماً ان تدعوني الى معتقدك فسيكون عليك لزاماً ايضاً ان تمنحني فرصة القبول والرفض، لا أكثر من ذلك. فآلة العقل والحكمة تقول بأنَّ زمن فرض العقائد انتهى، والعالم الرقمي اليوم تجاوز عقدة الايمان والكفر، عقدة الجنة والنار، هناك ما هو اكبر من ذلك، وهناك مواجهات كبرى مع الحياة التي تزداد تعقيداً، ومنطق الانسانية اولى بان يحاكى ويطرح على طاولة البحث.
شخصياً، لم استطع معاينة صورة السيد الخامنئي تحت الانقاض، كان المشهد مفزعاً، هناك ما يدمي القلب في الصورة. إخراج رجلٍ، شيبةٍ، قارب التسعين عاماً ميتاً من بين أكوام التراب والحجر والحديد أمرٌ لا يجب ان يكون. الانسانية في خطر. كذلك كانت صورة الطالبات اللواتي قتلن في المدرسة قد ادمت قلوب العالمين قبل ذلك كله .في الحروب ليس ثمة كرامة للجسد، وهناك انتهاك خطيرٌ لا يبر. الكهولة والطفولة والانوثة يجب ان تصان، وتكون بمنأى عن النار والرصاص والانقاض. اعتدتُ ألّا اطيل النظر في صور المقتولين، هذه الوحشية تترك اصابعها عميقة في قلبي.
ترى، ما الذي فعلته الناشطة والمهندسة المعمارية ينار محمد لتقتل؟ اطالع صورتها، فاقرأ ما معناه بانها تراس منظمة لحقوق المراة! وتعيدني الذاكرة الى احاديثها في الفضائيات، فاجدها تعمل جاهدة لكي تكون المراة قد اخذت حقها في الحياة، والعيش الكريم، ومناهضة العنف، والمساهمة في بناء المجتمع ووو ترى لماذا القتل؟ ألأنها تقف الى جانب بنات جنسها كما يجب أن يقف كل إنسان شريف ضد الكراهية والبغضاء والقتل .
حين نبحثُ في اسباب الحروب والاقتتال في بلداننا بشرقنا العربي الاسلامي لا نجدُ اخطر من الاعتقاد والتاويل، اخطر الحروب والعن طرق القتل والاعتقالات هي حروب الايدولوجيا، لان الكل يدعي بوقوفه على الجادة الصواب، وهو الوحيد الناطق بالحقيقة، والقادر على جعل الحياة ممكنة، لكن باشتراط طريقته الوحيدة. من امر بقتل ينار محمد هو الذي امر بقتل المئات من التشرينيين، وهو ذاته الذي قتل الالاف والملايين في طهران ودمشق ولبنان واليمن وليبيا وتونس والباكستان وافغانستان وبغداد والبصرة ووو .على الانسان أن يوقف حروبه مع أخيه الانسان قبل أنْ يقف مع الدول في حروبها من الدول.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

المرجعية العليا تدين العدوان على إيران وتدعو لوقف الحرب فوراً

إطلاق سراح 42,284 شخصاً في شباط بموجب قانون العفو

الأعرجي وعراقجي يبحثان تعزيز ضبط الحدود المشتركة لمنع التسلل خلال الحرب

طهران تحذر الاتحاد الأوروبي من "الانضمام إلى الحرب"

بدء مراسم وداع "خامنئي" وإيران تدخل مرحلة اختيار الخليفة!

ملحق منارات

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ‎من قتل ينار محمد ؟

العمود الثامن: حروب الكتل الأكبر

 علي حسين مثلما اصبحت "الف ليلة وليلة أشهر الحكايات في تاريخ البشرية، تحولت حكاية الكتلة الاكبر في بلاد الرافدين الى أسطورة خرافية سمّيت بالمحاصصة الطائفية ، فمنذ عام 22010 عندما حصل السيد اياد...
علي حسين

قناطر: الثورة التي خسرتُها ذاتَ يوم

طالب عبد العزيز كنتُ ما أزال شاباً؛ أعي حقيقة النظام البهلوي، حين حطّت طائرةُ السيد روح الله الموسوي الخميني في المطار، وبامّ عيني هاتين؛ كنتُ شاهدتُ الطفلة الصغيرة، وهي تمشي بقدميها الصغيرتين على أكتاف...
طالب عبد العزيز

خراب التعليم: الامتداد الممنهج لخراب المعنى

علاء جواد كاظم ليس هناك ما هو اخطر على امة من أن تتوهم أنها تتعلم، بينما هي في الحقيقة تعيد إنتاج الامية بطريقة أكثر تنظيما واناقة. فتردي التعليم لا يبدأ بانهيار جدران المدرسة، أو...
علاء جواد كاظم

كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

د.كاظم المقدادي (1 - 2) أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية...
د. كاظم المقدادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram