حيدر عودة
عرض في كاليري الفنان سلام عمر تجربة جديدة (ضمن مشروع تبناه منذ أربع سنوات، ويسعى لتقديم فنانين للمرة الأولى، والعمل معهم بأسلوب الورشة بين الكاليري والفنان) المعرض الشخصي للفنان حليم قاسم حمل عنوان (ابو غايب)، وهو كناية ارتبطت في المخيال الشعبي بالشخص الذي ليس لديه أبناء.
كانت لوحات المعرض، التي امتدت لقاعتي الكاليري بأحجام ثلاثة، قد رسم فيها الفنان وجه بطله المأساوي بحالات تعبيرية عديدة، مثلت الانتظار، الحزن، اليأس، الألم، الفزع، الخوف، وربما بعض الأمل. وجوه شاهدة على أحداث حقيقية أو متخيلة، حكايات الفقد والغياب في مجاهيل الحروب والصراعات التي راح ضحيتها الألوف من الأبناء، من الشباب التي أكلت أعمارهم الحروب وضيعت أحلامهم الهجرة والشتات، وحطم الترحال قلوب الأمهات والآباء.
اختار حليم في رسم لوحاته الأسلوب التعبيري فحافظ على قوة الموضوع عبر الخطوط الحادة، وعلى القيمة الحسية عبر ألوان باردة شكلت هارموني في التعبير عن عمق الألم الذي تخبئه الوجوه. فمرة نشعر أن وجه الأم موجود في اللوحات إلى جانب وجه الأب، وأحيانا يصير الوجه نفسه إشارة إلى الوجه الغائب؛ كل في عالمه الحسي وخصوصيته التعبيرية. لم يكن الوجه الغائب حاضرا في اللوحة كفعل فني فقط، بل وكتمثيل للاسم(ابو غايب) وترك للوجه الحاضر تحمل الم غيابه. بينما تحملت العينان كل الأحاسيس والمعاني وما تكابده الوجوه، فكان اسم الغياب حاضرا أكثر من الوجه المعبر عنه! كأنهم اتفقا على مفارقة ساخرة لتبادل الأدوار بين الوجه والاسم من أجل تخليد الحدث من جهة وكضمير للغائب من جهة أخرى.
ربما، لو أن الفنان حليم قرب من ملامح الوجه ليكون محليا حتى يتجاور مع الاسم (ابو غايب) لفتح للمتلقي؛ عبر ذاكرته الجمعية مسارات للألم وعناوين للفقدان، الذي لم يتوقف في حياة العراقيين أو في حياة العربي الذي عاش الغياب وما زال يتجرعه يوميا، كاالفلسطينيين والسوريين واللبنانيين من أجل أن يمنح أبطاله هوية واضحة وخصوصية في التجربة.
في الوجه يكمن كل شيء ، فهو مرآة صاحبه وكتابه وتاريخه. يقال إن الوجه حمال المعنى ومعرضه الدائم، ومتحف الكائن ومفتاح سيرته. فالوجه يتفرد أنه مدون سيرة ذاته؛ إن كانت تلك السيرة سعيدة أو مأساوية ، فكل ما فيها ينحته الزمن بصدق ودقة، لا يمكن للمساحيق أن تمحوه أو تجمله، لا يختفي الاحساس من خلفه ولا يموت. فالوجه يمثل متحف حي للحكايات والحوادث. وفي تاريخ الفن ظل الوجه يغري بفرادته الفنانين لتتبع سيرته وترحاله بين عوالم الواقع. فالوجه السعيد قد يرمز لحياة صاحبه السعيدة والعكس كذلك. لكن ابتسامة ما قد تخفي حزنا عظيما. وهذا ما يميز قدرة الفنان على التلاعب بملامح الوجه وجعله مشفرا للمتلقي ومناورا في حالات خاصة.
عمد حليم إلى الاختزال في عناصر لوحاته ليبرز وجه بطله متسيدا مساحة اللوحة كلها، حتى ليبدو الوجه ذاته ثيمة فنية بنفسها. وهذا ما أتوقعه في أعمال حليم القادمة، وهو ما يمكن أن يقودنا، باعتقادي، لفكرة إن الوجه هو من يكتب سيرة أصحابه وسيرة الإنسان عبر التاريخ. وأخيرا أرى أن هذا المعرض بمثابة مدخل لعالم الوجه وتاريخه، سواء أكان (ابو غايب) عراقيا أو أجنبيا فهو يمتلك وجها مشتركا في كل زمان ومكان.
(ابو غايب) بين الوجه والاسم
قراءة في معرض الفنان حليم قاسم

نشر في: 4 مارس, 2026: 12:02 ص








