بغداد / جنان السراي
تتحول مواقع التواصل الاجتماعي يوميًا إلى ساحات مفتوحة للاعترافات والشكاوى وطلبات الاستشارة، إذ تمتلئ «الكروبات» بمنشورات تتناول خلافات أسرية، مشكلات سلوكية، وحتى أعراضًا صحية دقيقة.
امرأة تكتب عن نزاع مع زوجها، وأم تبحث عن حل لسلوك طفلها، وآخرون يطلبون وصفات علاجية منزلية. مشهد يتكرر على نحوٍ لافت، حتى باتت هذه المساحات الافتراضية أشبه بغرف اعتراف جماعية مفتوحة للجميع.
الجدل يتسع بين من يراها متنفسًا ضروريًا في ظل ضغوط الحياة، ومن يعدّها تهديدًا مباشرًا لخصوصية العوائل، وسط تساؤلات عن حدود «الفضفضة» العلنية، وما إذا كانت العلاقات الاجتماعية تتجه إلى فقدان ما تبقى من أسرارها.
أم أحمد، معلمة في الأربعين من عمرها، تقول خلال حديثها لـ(المدى) إن ما يجري «تجاوز الخط الأحمر»، مضيفة أن «أسرار البيوت صارت منشورات، مشاكل الأزواج، خلافات الإخوة، وحتى التفاصيل الطبية الدقيقة تُنشر أمام آلاف الأشخاص». وترى أن العلاقات فقدت سياجها، وأن «العتب الذي كان يُقال همسًا داخل البيت، صار يُكتب في كروب يضم عشرات الآلاف".
وتضيف أن «الإنترنت قد يتحول إلى مادة للابتزاز أو التشهير. نحن نربي أبناءنا على الستر، لكننا نهدم ذلك بضغطة زر، ونقوم بمشاركة أسرارنا أمام الملأ دون التفكير بالعواقب. صار من يريد الزواج يكتفي بالبحث في صفحة الفتاة على فيسبوك، وهذا خطر".
في المقابل، يرفض علي سعيد، وهو طالب جامعي، هذا الطرح، ويعتبر أن الكروبات مساحة طبيعية للتعبير، لا سيما لمن لا يجد شخصًا يثق به.
ويقول لـ(المدى): «ليس كل الناس لديها من تثق به. أحيانًا تكتب مشكلتك في كروب، فتجد أشخاصًا مروا بالتجربة نفسها، خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بمرض وتحتاج إلى طبيب جيد، أو سؤال عن جامعة أو معهد، أو حتى بحث تخرج. هذا يخفف عن الكثير، ويوفر وقتًا وجهدًا». ويشير إلى أن استخدام حسابات غير حقيقية يمنح البعض شعورًا بالأمان.
ويرى أن المشكلة لا تكمن في الفضاء الرقمي بحد ذاته، بل في طريقة الاستخدام، موضحًا أن "من ينشر اسمه وصورته وتفاصيل حياته يتحمل قراره، ولا يمكنه لوم الآخرين إذا أساؤوا استخدام تلك المعلومات".
الناشطة المدنية غفران طعمة تعدّ الظاهرة انعكاسًا لتحول اجتماعي أعمق، وتقول إن «المجتمع تغيّر، والعلاقات التقليدية لم تعد قادرة دائمًا على احتواء الأزمات النفسية أو الأسرية». وتشير إلى أن كثيرًا من النساء لا يجدن مساحة آمنة للحديث عن مشكلاتهن داخل الأسرة، فيلجأن إلى الفضاء الرقمي.
غير أنها تحذر من «التطبيع مع كشف الخصوصيات»، مؤكدة أن بعض القصص المنشورة تتضمن معلومات قد تسيء إلى أطفال أو أطراف لم يختاروا الظهور للعلن، مشددة على وجود فرق بين طلب المشورة وتحويل الحياة الخاصة إلى عرض مفتوح.
من جهته، يرى الناشط المدني حمزة الشمري أن الكروبات أسهمت في كسر العزلة، موضحًا أن "كثيرًا من الشباب يعانون من القلق أو الاكتئاب، ولا يجرؤون على مراجعة مختص، وفي الكروبات يجدون من يطمئنهم أو يوجههم". ويضيف أن بعض المبادرات التطوعية داخل هذه المجموعات وفرت استشارات قانونية أو طبية مجانية.
مع ذلك، يشير الشمري إلى وجود «فوضى معلوماتية»، خصوصًا في ما يتعلق بالوصفات العلاجية، إذ "يُنصح أحيانًا بتناول أدوية أو أعشاب دون أي إشراف طبي".
وفي إحدى المجموعات، نشرت سيدة شكوى عن أعراض صحية، فتوالت التعليقات بين وصفات شعبية وأسماء أدوية محددة بجرعات دقيقة، في مشهد بدا كأنه عيادة مفتوحة بلا طبيب، ما يثير تساؤلات حول المسؤولية عن تبعات أي نصيحة قد تتسبب بضرر.
الدكتور جعفر البريقعاوي يرى أن الظاهرة تحمل وجهين، موضحًا في حديث لـ(المدى) أن «الحاجة إلى التعبير عن الضيق النفسي حاجة إنسانية مشروعة، والكبت المستمر قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية»، لكنه يؤكد أن الفضاء الرقمي ليس بديلًا عن الاستشارة المهنية.
ويضيف أن «بعض الأفراد يخلطون بين الدعم المعنوي والتشخيص الطبي. كلمات التعاطف مفيدة، لكن تشخيص الاكتئاب أو اقتراح أدوية عبر تعليق في كروب أمر غير مسؤول». ويرى أن الإفراط في نشر التفاصيل الشخصية قد يخلق شعورًا بالندم لاحقًا، خصوصًا إذا تغيرت الظروف أو تحسنت العلاقات.
ويحذر من أثر «الانكشاف الدائم» على البنية الأسرية، موضحًا أن «تحويل كل مشكلة إلى منشور يفقد البيت جزءًا من خصوصيته، والخصوصية ليست ترفًا، بل عنصرًا أساسيًا في الشعور بالأمان داخل الأسر».
ومع ذلك، لا يدعو البريقعاوي إلى إغلاق هذه المساحات، بل إلى تنظيمها وتعزيز الوعي الرقمي، مؤكدًا الحاجة إلى ثقافة رقمية توازن بين حق الفرد في التعبير وحق الآخرين في الخصوصية، بحسب قوله.
جدل اجتماعي عن تحوّل وسائل التواصل إلى غرف اعتراف جماعية ووصفات علاج بلا إشراف

نشر في: 4 مارس, 2026: 12:10 ص








