TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > "تايتانيك" المالكي

"تايتانيك" المالكي

نشر في: 15 ديسمبر, 2012: 08:00 م

الأقسى من الطريقة البشعة التي مات فيها أكثر من عشرين عراقيا غرقا في اليونان، هو الصمت الحكومي والرسمي الذي يثبت لنا كل يوم ان المواطن العراقي بلا قيمة داخل وطنه.. ومن ثم فلا داعي للسؤال عنه في دروب الغربة.. هذه هي الحقيقة حتى وان حاول البعض الضحك علينا بتصريحات وشعارات وخطب الرفاهية والازدهار وثمار التنمية وفوائد الزيادة في صادرات النفط العراقي التي ظل يبشرنا بها حسين الشهرستاني ومعه كثير من الساسة والمسؤولين الذي ظلوا يخدعوننا باننا شركاء لهم في الوطن. فالواقع يقول ان معظم مسؤولينا يسعون كل يوم الى ان يقودوا البلاد والعباد الى هوة سحيقة.. ففي خبر مؤلم نشرته وكالات الأنباء جاء فيه: "إن قاربا صغيرا يحمل مهاجرين، كانوا يأملون في الوصول لليونان غرق قرب جزيرة ليسفوس الشرقية في ساعة مبكرة من صباح امس السبت مما ادى الى وفاة 20 شخصا غرقا، ان جميع المهاجرين من العراق وان كلا منهم دفع نحو ألفي دولار لنقله للجزيرة".

لا ادري ما الذي دار بذهن الذين غرقوا في تلك اللحظات لكنهم حتما لم يكونوا يتصورون أن تضحياتهم في سبيل الخلاص من دكتاتورية صدام يمكن أن تنتهي إلى دكتاتوريات جديدة، ولم يعتقدوا أن العراق الجديد الذي اسقط صنم الطاغية يسعى فيه البعض اليوم وبقوة إلى بناء أصنام جديدة يريدون من العراقيين جميعا أن يسبحوا بحمدها ليل نهار.

ايها الغرقى المساكين شاءت إرادة الله أن تعيشوا في بلد يعتقد ساسته أن التقدم يعني الحصول على مزيد من المكاسب والمنافع الشخصية.. يفهمون السياسة على أنها فن الخداع، والاحتفاء بالأكاذيب، والتهالك على الغنائم، سياسيون يجعلون الخطأ صحيحاً، والحق جريمة، يعدون ولا يفون، يبنون لكم قصورا من الرمال، لا يكترثون لحق، ولا يلتمسون لحقيقة، السياسة في عرفهم سعي محموم وراء الأطماع وتعاون مع الإثم وتحالف ضد الصدق، ثروتهم الضلالة، وشعارهم: “الناس رعايا لا مواطنون ”، يحاربون بكل‎ ما أوتوا من أجهزة قمع للدفاع عن قيم الاستبداد، وحكم الطوائف حيث المسؤول والسياسي ومقربوه هم كل شيء، ساسة يعادون كل من يرفض أن يدخل حظائر التدجين.

والآن دعونا نسأل ماذا لو كان الغرقى أتراكا او يونانيين ماتوا على شواطئ الخليج العربي .. سنجد رئيس الحكومة يهرع إلى مكان الحادث يقدم اعتذاره الى الشعب كله وقبل ذلك يقدم عزاءه إلى اسر الغرقى، وسيخرج جميع المسؤولين لاستقبال الجثامين.. لان هؤلاء الساسة يدركون جيدا ان المساس بحياة مواطن واحد يعني المساس بالوطن كله .. بينما هنا في عراق " زعاطيط السياسة " لم نتوصل بعد الى تعريف كلمة مواطن.. ومن ثم لا تعرف الحكومة ولا حتى السياسيون كيف يتعاملون مع مثل هذه الكائنات.. فنحن هنا في بلد يتعامل مع الناس باعتبارهم جزءا من قطيع يجري الاهتمام به فقط في ايام الانتخابات.. بينما في بلدان العالم المتحضرة يعامل كل مواطن باعتباره قطعة من الوطن.. وربما من باب البطر والتجني ان نطلب من نوابنا الاعزاء ان يخصصوا جزءاً من وقتهم لمعرفة لماذا حصل لهؤلاء المساكين كل هذا.

ربما سيقول البعض ان ضحايا عبارة الموت محظوظون، لانهم عرفوا مصيرهم وارتاحوا، بينما ضحايا عبارة العراق المساكين لا يعرفون لرحلتهم الإجبارية مع الحكومة ومقربيها واحزابها نهاية، فالعراقيون جميعا ركاب محاصرون في سفينة لايعرف قادتها الطريق الى اي شاطئ آمن، جميعنا اليوم رهائن بحر من الجنون والعبث، في السياسة وفي الاقتصاد، في الداخل والخارج، وطبيعي عندما يغيب المنطق أن يصبح كل شيء قفزا في المجهول، وهل هناك عبثية أكثر من أن نمضي عشر سنوات من اعمارنا مع سياسيين يخوضون معارك المصير من اجل المغانم والمنافع.

لقد استمعنا قبل يومين لرئيس الوزراء وهو يقول إن "العراق تقدم كثيرا في منح مواطنيه الحرية والمشاركة الحقيقية بعيدا عن الحسابات الأخرى"، واسأل ماذا تعني هذه الكلمات لشباب فقدوا حياتهم هربا من جحيم سياسيينا ومسؤولينا.

في بلد  بلد الحروب الدائمة والكاذبة. حروب بلا قرار، ودولة بلا قرار، ووطن بالف قرار سياسي. ترى من يحمي باقي العراقيين من كل هذه الغلظة واللامبالاة التي يتمتع بها ساستنا الاشاوس.. والى متى تظل "تايتانيك" المالكي تبحر بنا في بحر هائج من المعارك والصولات.. لتغرقنا معها في صراع الشك والنميمة والانتهازية واحتقار الانسان

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram