بغداد/ منتصر الساعدي كنت اشعر بغليان دمي، وانتظر اللحظة المناسبة لأنفجر بوجه الجندي المسؤول عن حركة السير، وما أن أصبحنا بجانبه، حتى صحت بوجهه: أن الوقت سيدخل حظر التجوال، وأنت تأخرنا بلا داع ٍ، فأجابني بحزنٍ واضح واهتزت فرائصي حين قال: انظر لتلك السيدة.. ولذلك الرجل المسكين، لقد اختطف ابنهما قبل ساعتين، ونحن نبحث عنه !!
ساعة ونصف.. استغرقتها السيارة الصغيرة لتقطع بنا الجسر الأخير الذي يوصلني بمنطقة سكناي، ولا يتجاوز طول هذا الجسر أكثر من (500) متر فقط، وكان بإمكاني عبوره سيرا على الاقدام ، وان هناك خمسمائة متر أخرى تفصل بين الشارع العام وبيتنا في الحي الجديد، وهذا يعني مفاجآت غير محمودة قد تحدث، لذا فأن البقاء في السيارة على مضاضته أفضل من الترجل.تداعيات كثيرة، استحضرتها تلك الساعة، لعشرات الصور، لأطفال خطِفوا وهم بعمر الورود، وجُلبت جثثهم الى ذويهم، سواءً دفعوا الفدية ام لم يدفعوها.وبات الحديث عن اختطاف الاطفال يُشكّل رعبا حقيقيا طيلة السنوات الثمان التي أعقبت سقوط النظام السابق، والتي شهدت ظروفا أمنية استثنائية.وتذكرت جاري وكيف اتصل به الخاطفون، في اليوم التالي، وتم الاتفاق على دفع فدية قدرها عشرون ألف دولار، وبعد دفع الفدية اكتشف ان الخاطفين قتلوا ابنه الصغير وبعد أسابيع اكتشف أن ابن أخته، هو الذي ساعد الخاطفين، وهو الذي استدرجه وسلمه إليهم، وتم القبض عليه، ولكن العصابة الحقيقية ما زالت هاربة عن وجه العدالة وهذا يعني أنها ستستمر بعملها الإجرامي.يقول الموظف ميلاد متي في عام 2007 قام مجهولون باختطاف ابن عمي من أمام بيتهم في حي الجامعة، وبعد ساعة اتصلوا بنا وتوليت أنا الحديث معهم، فأسمعوني من السباب والشتائم ما لم اسمع به من قبل، وقالوا إننا نريد ان نعاقبكم لأنكم تسكنون في حي الجامعة واخبروني بأنهم مجموعة مسلحة معينة، ليشعروني بأن الامر طائفي بحت رغم علمي بأنهم عصابات جريمة فقط، ولكن لأن الطائفية المقيتة كانت تغطي سماء العراق بلونها المقيت، كانت عصابات الجريمة تتخفى بهذا الستار لكي تمارس نشاطاتها الإرهابية، ومع ذلك حافظت على هدوئي، وطلبوا مني في البداية كارت موبايل، فئة ( ثلاثون دولار )، ثم أمروني أن اتصل بهم، وحين اتصلت طلبوا فدية كبيرة، ولكنني وبصبر احسد عليه أوصلت المبلغ الى عشرة ملايين دينار وخمسين ورقة فئة المئة دولار، وكان الاتفاق أن اسلّم المبلغ بنفسي اليهم، وكان الاتفاق ان اسير في شوارع معينة في حي الجامعة، اغيّرها حسب تعليماتهم في الموبايل، وان لا التفت يمينا أو يسارا، وأمروني بوضعها تحت نخلة في احد الشوارع ومضيت، وبعد ساعتين اتصلوا بنا وتلاعبوا بأعصابنا، وقالوا ستجدونه في كوم النفايات القريب من بيتنا، وفي الليل جاءنا ابن عمي، بعد أن انزلوه من صندوق سيارة كان يقودها احدهم، وحكى لنا فصولا رهيبة من معاناة استمرت ليومين، وكيف أنهم لم يدخلوه إلى البيت الذي يستخدمونه وكرا لهم، بل قذفوه من فوق السياج الخارجي، وهناك وجد في البيت ثلاثة أطفال كانوا قد اختطفوهم قبله.الملفت للانتباه ان بعض عمليات الاختطاف تتم في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، وفي شوارع مزدحمة أو في أسواق تشهد حركة تبضع كثيفة، كما أن الطرق التي يسلكها الخاطفون تتواجد عليها عشرات السيطرات العسكرية، لذا فمن الطبيعي أن نتساءل كما تساءل المفجعون.. " كيف مرّ هؤلاء ؟؟ ولماذا لم يستوقفهم احد ؟.يقول المواطن علي ربيع إن ابنه اختطف في مساء احد الأيام من سوق مريدي، بعد أن استوقفته حالة مريبة، حيث كانت هناك مجموعة من الرجال تحاول أن تضع احد المراهقين في صندوق إحدى السيارات، ولم يشعر إلا ويد تسحبه بقوة نحو الصندوق نفسه.ويضيف الأب المفجوع بأنه أخفى حادث اختطاف ابنه عن الام، وقال لها انه فضل المبيت عند بيت جده، وبعد ساعة كانت كالدهر اتصل الخاطفون، وتولى أخوه المفاوضات بذكاء، وهددهم بالانتقام منهم، وأنهم يعتبرون الطفل قد تعرض لحادث سير ومات، وفي صباح اليوم التالي، وجدوا الطفل في مدينة الكاظمية، وفي مكان لا يبعد كثيرا عن الحضرة الكاظمية المقدسة. ويروي الطفل تفاصيل اختطافه، بأنه لا يعرف أين أخذوه لأنه كان في صندوق السيارة، وبعد مسيرة نصف ساعة انزلوه، وادخلوه الى احد البيوت، واخضع لاستجواب شديد عن إمكانية أهله المادية، وحين عرفوا بأنه من عائلة فقيرة، قرروا التخلص منه، وأطلقوا سراحه، في مكان لا يبعد كثيرا عن تواجد القوات الأمنية في الكاظمية. على الرغم من ان عملية اختطاف الاطفال، تشكّل ظاهرة عالمية وعربية، وخاصة بعد تقارير أمنية في ثلاثين بلدا حول مئات الحالات لعمليات اختطاف الأطفال، ولكن الظروف الاستثنائية التي مر بها العراق طيلة لسنوات الثمانية،شجعت على تنامي الجريمة بسبب انشغال القوات الأمنية بمكافحة الجماعات المسلحة.ففي تقريرها الأخير أشارت وزارة حقوق الإنسان الى وجود اكثر من 6 آلاف حالة اختطاف للأطفال منذ سقوط النظام السابق عام 2003 والمرعب في هذا التقرير ان نصف هؤلاء الاطفال تعرّضوا للقتل، وما يدعوا للقلق ويدع الباب مفتوحا للكثير من الاحتمالات ما ذكره المتحدث الرسمي للوزارة كامل أمين حين أكد أن الأعداد الحقيقية للمختطفين من الأطفال قد تكون أكثر بكثير ما نُشر في الإحصاءات والتقارير الدولية
عناصر السيطرة منشغلون بـالموبايل..عمليات خطف تجري أمام أنظار القوات الأمنية

نشر في: 30 سبتمبر, 2011: 08:03 م