اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > غير مصنف > الصديق الأسطوري الذي نازل طواحين الهواء

الصديق الأسطوري الذي نازل طواحين الهواء

نشر في: 14 أكتوبر, 2009: 06:47 م

عبد الوهاب البياتيأتذكر انني رأيت والتقيت حسين مردان قبل ان تراه بغداد وكان ذلك ما بين عامي 1943 – 1944 أي قبل ان تضع الحرب الكونية الثانية أوزارها .. وكنت وقتها طالبا في الاعدادية المركزية ببغداد وكنت قد اشتركت في سفرة مدرسية الى بعقوبة في يوم شتائي مشمس.
 في مقهى شعبي من مقاهي بعقوبة وكان الوقت قبل الظهر بقليل وفد الينا شخص غريب الاطوار والملبس والنظرات وكان كل شيء فيه يبدو غريبا على بيئة مدينتي التي كانت لاتزال ضاربة جذورها في اعماق الريف الذي  فقد نصف براءته وظل محتفظا بالنصف الاخر قناعة بالتقاليد العريقة في القدم تمتد اصولها الى ما قبل الفتح الاسلامي للعراق لم يلفت نظرنا في بادئ الامر بالرغم من محاولاته المتكررة ان يلفت نظرنا اذ كان قد وجد فينا وفداً من الغرباء على مدينتي.وادرك بحس ابن الشعب الطيب البسيط باننا من بغداد وبعد دقائق أتى إلينا من يقول بان هذا الغريب الوجه والملبس هو شاعر وان اسمه حسين مردان على الرغم من انني واصدقائي الذين كانوا معي في تلك الرحلة الشتائية كنا نتابع الحركة الشعرية في العراق لكننا لم نكن بعد قد سمعنا بشاعر اسمه حسين مردان وبعد وقت قصير اقترب منا مسلما متأبطا دفترا سميكا اسود علاه صدى الايام اللامبالية الغبر واثار الايدي التي تعاورته .. بدأ حديثه عن الشاعر الفرنسي بودلير قبل ان يحدثنا عن نفسه حديث الخبير العليم فادركنا منذ الوهلة الاولى انه يريد ان يتحدث عن نفسه من خلال حديث بودلير وكان بودلير في تلك السنوات غير معروف في الوسط الادبي بالعراق اذ لم تترجم له الى العربية الا قصائد قليلة جدا وقلة ما كتب عنه وعن حياته ثم قرأ علينا حسين مردان بعد ذلك بعض قصائده وكانت تظهر عليها منذ القراءة الاولى بصمات الياس ابي شبكة وغيره من شعراء العرب الذي كانوا يدورون في فلكه ولكننا على الرغم من كل هذه العلامات غير المشجعة اهتممنا به جيدا ونصحناه بأن يترك بعقوبة ويذهب الى بغداد لعله يشق طريقا بين زحامها الشعري الذي كان يوشك ان ينفجر إذ اكتشفنا في نبرات صوته الواثق وفي لون وجهه النحاسي المتحد إرادة لاتقهر ثم اخبرنا بانه كان قد ذهب الى بغداد عدة مرات ولكنه لم يجد من يشجعه على البقاء فيها ولهذا فانه كان يعود قبل ان يقضي اول نهار هناك ولكنه كمااقسم امامنا قرر هذه المرة ان يذهب ولا يعود ..وفي بغداد – الثورة الشعرية – التي كان الجواهري علمها وحاديها في تلك السنوات كان حسين مردان في كل مكان .. من دون ان يكون خوفه الغريزي من المجهول وطبيعته المتقلبة واحتفاظه بحذره نصف الريفي جعله يبدو حائرا مترددا كما جعله لايستطيع التأقلم مع بيئته الجديدة لكن شجاعته التي هي الوجه الاخر لخوفه وامانته مع صدقه وهاجسه الشعري الاول جعله يقف امام المحاكم ويدخل المواقف والسجون متحديا سلطان الظلام الجائر لتلك الايام ليبدد ظلمة محدقة به وببعض ابناء جيله. واستعذب الشاعر لعذابه ومن ثم لعذاب الاخرين فجعله لايلتفت كثيرا الى الزلازل والبراكين والاحداث الجسيمة التي كانت تجتاح خارطة الشعر العراقي بخاصة والعربي عامة وفي تلك السنوات العاصفة الحاسمة لكنه كان يبدو وكأنه موجود في قلبها. وتلك هي لعبة الشعر الغامضة القاسية الخطرة ان تعتقد انك داخل اللعبة الشعرية ولكنك في الوقت نفسه بعيدا عنها بل انك مقيم على تخوم زمنين شعريين، زمن شعري يموت وزمن شعري يولد فتضيع ضيعتين وتستشهد شهادتين .. وستظل ذكرى حسين مردان الذي لم يتمتع بالشباب الصديق الاسطوري الذي نازل طواحين الهواء في زمن العقم واليباب والمجاعة، علامة شاخصة يتوقف عندها القارىء والناقد والمحب ليتزود بنظرة الى بغداد الخالدة التي مات في حسرة حبها شاعر من جيلنا . حسين مردان يستمع الى رثائه.. لقد كتب فوزي كريم قصيدة في حسين مردان قبل وفاته بأشهر قليلة وظهرت في (الآداب)  بعد وفاة حسين مردان بايام قليلة : وكان قد قرأها فوزي لحسين قبل ان يبعث بها الى (الآداب) فقال حسين : انك لترثيني بها وكانت فعلا مرثية رهيبة ليست كالمراثي التي الفناها في الشعر العربي كانت تحليلا دقيقا مركزا للتكوين النفسي والاجتماعي والذاتي لحسين مردان من خلال علاقاته بنفسه وبالمجتمع وبالمصير والثقافة. لم تكن مرثية فحسب إنما كانت نبوءة صادقة خر على اثرها حسين مردان كالنجم . كانت كالصاعقة التي احرقته .. فقد غادرنا حسين مردان بعدها باشهر قليلة وترك الباب مفتوحا ولن يغلقه احد لانه ليس هناك من يشبههُ. سيد الفقراء وسيد الحزن : الرجل السر .. المفضوح ..مجلة الف باء ـ تشرين الاول 1973

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

دي خيا يثير الغموض حول مستقبله

محكمة مصرية تلزم تامر حسني بغرامة مالية بتهمة "سرقة أغنية"

والدة مبابي تتوعد بمقاضاة باريس سان جيرمان

للحفاظ على «الهدنة».. تسريبات بإعلان وشيك عن موعد انسحاب القوات الأمريكية

العمودالثامن: حصان طروادة تحت قبة البرلمان

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

علي كريم: أنا الممثل الأقل أجرًا و
غير مصنف

علي كريم: أنا الممثل الأقل أجرًا و"باب الحارة" لم تقدم حقيقة دمشق

متابعة / المدىأكد الفنان السوري علي كريم، بأن انتقاداته لأداء باسم ياخور ومحمد حداقي ومحمد الأحمد، في مسلسلي ضيعة ضايعة والخربة، لا تنال من مكانتهم الإبداعية.  وقال كريم خلال لقاء مع رابعة الزيات في...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram