اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > المدى الثقافي > منفى كاتب "الـعـالـم الـثـالـث"

منفى كاتب "الـعـالـم الـثـالـث"

نشر في: 18 أكتوبر, 2009: 04:40 م

فوزي كريمrnكنتُ أضع لمفهوم "منفى" الشاعر عددا من الأبعاد، تبدأ بالتعامل مع اللغة القاصرة عن الاستجابة للمشاعر المعقدة، وتنتهي بالمنفى الجغرافي، مرورا بالمنفى النفسي في القطيعة مع المحيط الاجتماعي،
والمنفى الفكري في القطيعة مع المحيط الإيديولوجي. ولكن الكاتب التركي أورهان باموق، في آخر كتاب مقالات له تُرجم إلى الإنكليزية بعنوان "ألوان أخرى"، أشار إلى بُعد "منفى" جديد لم يخطر لي على بال. كان يتحدث عن الروائي بارغاس يوسا، من البيرو، في مدار حديث الأخير عن أدب "العالم الثالث". عن موقع هذا الأدب وفاعليته في مواجهة الأدب الغربي، الذي اعتبره مركزيا في الحضارة الحديثة، قياسا لحركة الأدب في العالم الثالث، التي نمت على هامشه، متأثرةً به، ومستوحيةً منه.. وهو اعتبار لا اعتراض عليه من قِبلي في الأقل. لأني أرى ما يرى في أن معظم فنون الكتابة الجديدة، من رواية، قصة قصيرة، مسرحية، وفن مقالة، إلى فنون الرسم والموسيقى الجدية والسينما والتصوير، هي وليدة الحضارة الغربية منذ عصر نهضتها في القرن السادس عشر. ولقد أخذَتْ بين أيدينا يوم انتفعنا منها، نحن أبناء العالم الثالث، صبغتنا المحلية. ولكن علاقة هذا الأدب المحلي الحديث بالأدب الغربي تظل، بصورة من الصور، علاقة أطراف بمركز، ومدار بمحور. واضح أن الروائي التركي باموق، الذي حاز على جائزة نوبل العام الماضي، أكثر صراحةً مع النفس من كاتبنا العربي : "إن ما هو حاسم هنا هو إحساس كاتب العالم الثالث بأنه في حالة منفى عن مراكز الأدب العالمي." وهو يعني بالتأكيد الأدب الغربي، مجتهدا أن بمستطاع هذا الكاتب أن يختار الإقامة في واحدة من هذه المراكز الغربية، كما فعل بارغاس يوسا حين هجر البيرو وأقام في الغرب. ولكن إحساسه بحاله لن يتغير، لأن "منفى" كاتب العالم الثالث ليس أمرا جغرافيا قدر ما هو إحساس روحي. إحساس بالاستثناء، وبكونه أجنبيا بصورة دائمة. هذا شعور خفي أكثر سرية من أن يُعلَن، لدى كاتب الأدب الجدّي. أقول الجدي عزلا له عن ظاهرة كاتب الأدب الشائع اليوم، الذي فرزَتْـه ظاهرة الأنشطة الإعلامية التابعة للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، كلية السطوة، التي جاءتنا منذ الخمسينيات. الكاتب الجدي يشعر عادة بخيبة أمل لا تنقطع، منذ كتابة نَصّه حتى مرحلة نشره على الناس. وإن شيوع الرغبة لديه في توسط وسائل الإعلام من صحافة، إذاعة، تلفزيون، ما هي إلا ضرب من التعويض عن إحساس بخسارة دفين لديه. خسارة نَصّه الذي لم يصل إلى قراء يُرضونه نوعا وكَمّا. ولا أستثني رغبته بنيل الجوائز. مع أنها ظاهرة تامة الصحة والعافية في الغرب، في حين تبدو لحساسيته ضربا من التنكيل به، هو الذي زهد بهالة النجم، الذي توجَّه إليه الجوائز. لأن هذه الجدية عادة ما تتعارض مع كل مسعى وسائل الإعلام والنشر. هذا الكاتب الجدي سيتعرّض لإحساس بالمهانة كهذا بصورة أشد لو أنه خبر العيش داخل هذه الحضارة الغربية، ولسنوات كافية. فهو لن يُرضيه ما يحدث لنصه داخل بهو الثقافة العربية البعيدِ عنه. ولن تُرضيه بالتأكيد الهامشية التي يعاني منها داخل حركةِ الثقافة الغربية الناشطة. وليس له في عزلته أي مُتَنفّس يملأ رئتيه بالطمأنينةِ والرضا. هذا الإحساس قد لا يخطر على كيان الكاتب من "العالم الثالث"، الذي يتحدّث عنه باموق التركي، وتركيا على أعتاب دخول السوق الأوربية المشتركة. ولا يشعر به بالتالي كتابٌ من أمريكا اللاتينية، من أمثال ماركيز، يوسا، وأوكتافيو باث، التي تبدو سمعتهم رائجة في الغرب، إلى جانب الكاتب الإنكليزي، الألماني، الفرنسي أو ألأمريكي، سواء بسواء. كيف، إذن، نتأمل وحشة الكاتب العربي المعاصر، وهو بعيد حدّ القطيعة عن مركز الفنون التي يمارسها، من رواية، مسرح، قصيدة طليعية، سينما، رسم...!!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

شرطة الرصافة تنفي تعرض احدى دوريات نجدة الرصافة إلى احتراق

هزة أرضية بقوة 4.6 درجات تضرب كرمان جنوب شرقي ايران

أردوغان: نريد انهاء القطيعة مع الأسد ووجهنا دعوة له

السوداني يقيم دعوى للحكم بعدم دستورية قانون رئاسة الجمهورية (وثائق)

مهمة في واتسآب بأجهزة أندرويد

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

أصابع بابلية' لأحمد مختار تتوّج عالميا

أصابع بابلية' لأحمد مختار تتوّج عالميا

في استفتاء موسيقي تنافسي سنوي حصلت إسطوانة “أصابع بابلية” للمؤلف الموسيقي وعازف العود العراقي أحمد مختار على مرتبة ضمن العشر الأوائل في بريطانيا وأميركا، حيث قام راديو “أف أم للموسيقى الكلاسيكية” الذي يبث من...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram