اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > غير مصنف > خطرات عن علي جواد الطاهر

خطرات عن علي جواد الطاهر

نشر في: 21 أكتوبر, 2009: 05:16 م

صلاح نيازي(يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية) ولكن نفسه لم تكن مطمئنة ولم يكن يطلب جنة او جزاء او شكورا، كان يعمل ويعمل، ويقرأ ويقرأ وعروق عينيه مدمية من الانهاك، في كل مكان في الجريدة والمجلة والاذاعة والتلفزيون، وفي اتحاد الادباء واماسيه لايستقر قط، ومأثرته الكبرى طريقة تدريسه،
 فما ان يدخل في الصف حتى يشعل الحماسات والفضول، ولا ينقطع عن الحوار والاصغاء اللماح، والتعليق الحاد حتى في ممرات الكلية. لا اعرفه لانه لم يتحدث عن شؤونه الشخصية البتة، ولايبارز او ينابز بأي مشروع ادبي او طموح من اي نوع،، لله دره، لم يغتب احدا الا في وجهه، ولم يستدر دمعا بأية شكوى، فما بكى منصبا فاته، ولاحيفا لحقه، كان وكأنه يخلع تعاساته واوجاعه وهمومه في البيت، كما يخلع بجامة النوم، بيد انه ما ان يضع قدمه في الشارع حتى يستحيل الى كيان ساخن متوهج، لاينبئ عن قلقه الا عينان تتلفتان يمنة ويسرة، ويدان تجدفان ضد تيار قوي، هذه مشيته لك كل وقته، ولا وقت لديه، مثل قبطان مسكون بالامل واليأس معا في سفينة جانحة، مثل سباح ينتشل الغرقى، ديدنه الانجاز والاتقان ليس الا، وجنوح سفينة او غرق حالتان مصيريتان لاتقبلان الثرثرة او المجاملة او انصاف الحلول او انصاف المواهب، هكذا كان الطاهر يجابه الحياة الادبية بالعراق وكأنها مقبلة على غرق، فلا عجب ان عادى اشد عداء الكسل والزيف والغرور والانتهازية، على وجه الخصوص، واكبر ظني انه من العراقيين الاوائل الذين جعلوا بطلهم المثالي، التحريض على العمل واتقانه، فكان هو نفسه قدوة في المثابرة ونكران الذات، حتى ليمكن اعتباره من اكبر المواد المساعدة في التفاعل في المجتمع العراقي وليس لدي ادنى شك بانه يستحق بجدارة لقب (استاذ الجيل) فهو لايقل شأنا حتى عن اكبر المصلحين التربويين الذين مروا بتاريخنا قديمه وحديثه، ولكن اين تكمن قوته الفعلية في النقد؟ ام في التحقيق؟ ام في بحوثه الادبية؟ ولكن قبل ذلك، اذكر انني تعرفت على الطاهر، في اول يوم تقدمت فيه للانتساب لكلية التربية كنت مقبولا في فرع الفيزياء ذكرت له انني ارغب في تغيير فرعي الى اللغة العربية، فسألني عن اهتماماتي، ثم طلب مني ان اقرأ له شيئا من كتاباتي، وماهي الا ايام قلائل حتى تم التحويل، وعلى مدى اربع سنوات كان لي خير عون في اكتشاف عيوبي، وما اكثرها، وهو الذي كتب لي توصية الى جامعة لندن، وهكذا ترون عظم ديني لهذا الرجل اذكر انه كنا في العطلة الصيفية وكانت الشمس تكاد تذيب الاجر فجاء بالتوصية باللغة العربية مترجمة الى الفرنسية، ومختومة بختم الجامعة كتب رأيه الصريح بقابلياتي وكأنه فصل الثوب على مقاس الجسم حتى وان كان لجامعة اجنبية قلت انها جامعة انكليزية وربما يفضلون التوصية باللغة الانكليزية، كان الدوام قد انتهى فوعدني خيرا، وفي اليوم التالي سبقني الى الجامعة واكمل كل شيء واعطاني اياها بلا ادنى منة، هذا هو الطاهر باختصار سيد الى الجامعة، وسائر افضاله اريحية وواجب وليست دينا.درست على يد الطاهر النقد والانشاء واهم من ذلك كان يدرسنا فن التواضع ويبدو لي ان الطاهر وضع يده على اخطر ادواتنا وعاهاتنا -نحن العراقيين- الا وهي الغرور وهل يجر الغرور الا الى الادعاء والصلف والتعالي.كان الطاهر قد درس في السوربون بباريس، وعنوان اطروحته الشعر العربي في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقي ولكنه لم يدرس هذه المادة، ولكنه اختير لتدريس مادة النقد التي ربما كانت بعيدة عنه اكاديميا، ولم يكن له فيه اي نشاط يذكر، وهكذا كان يشير علينا بقراءة ما ترجمه محمد مندور وسهير القلماوي عن الفرنسية، لم تكن طريقته في التدريس تلقينه قط، وانما تركزت في النقاش النظري وفي اظهار قوة النص او ضعفه عمليا، وهذا يقودني الى القول ان الطاهر كان يهتدي في نقده الى قراءة بنظريتين متناقضتين، هما نظرية الناقد النسبي (جيلمتر) الذي كان يدعو الى قراءة النص وحده دون الالتفات الى كاتب النص او تأثير البيئة، اي عليك ان تقرأ النص وكأنه انحدر اليك بلا مؤلف وخلو من اي تاريخ، اما النظرية الاخرى فهي نظرية الناقد الفرنسي (سانت بيف) التي تصر على انه لايمكن فهم النص –اي نص- مالم تتعايش مع مؤلفه، سيرة وبيئة وثقافة، وهذا ما طبقه الطاهر عمليا في كتابه (محمود احمد السيد- رائد القصة الحديثة في العراق) وكذلك في دراسته لحسين مردان، وصالح الجعفري، ولكن عند التدريس الصفي، تتبخر النظريتان، ويحل مكانهما الذوق والمزاج، بلا تعليل او تحليل، ومن هنا الحدة القاطعة في اجوبة الطاهر، سأل مرة مثلا الطلاب عن رأيهم في بيت الحارث بن حلزة..اجمعوا امرهم بليل فلمااصبحوا أصبحت لهم ضوضاءفهب احد الطلاب ملبيا، وقال: ممتاز فيه حركة.فاجابه الطاهر فورا: فيه تنكه! وهكذا اغلق الباب ولاندري لماذا.ولكن مما كان يخفف من غلواء تلك التصريحات اخلاصه الشديد وتنزهه من كل حقد وتواضعه الاكيد، فمن نزاهته، انك لولا اسمه لما عرفت من اي دين هو، ولا الى اي مذهب ينتمي، دينيا كان ام سياسيا اما تواضعه فلا ادل عليه، من انك اذا وقفت معه فانك لاتشعر الا وهو ندّ لك، لايفضلك بشهادة، ولايكبرك سنا وتجربة كان كثيرا ما يردد ونحن نماحكه بالنحو والصرف: لقد تعلمت منكم اشياء اكثر مم

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

علي كريم: أنا الممثل الأقل أجرًا و
غير مصنف

علي كريم: أنا الممثل الأقل أجرًا و"باب الحارة" لم تقدم حقيقة دمشق

متابعة / المدىأكد الفنان السوري علي كريم، بأن انتقاداته لأداء باسم ياخور ومحمد حداقي ومحمد الأحمد، في مسلسلي ضيعة ضايعة والخربة، لا تنال من مكانتهم الإبداعية.  وقال كريم خلال لقاء مع رابعة الزيات في...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram