كان مستسلماً بوداعة طفل، لبراعة (مدلك) الحمام، الذي أماله بمختلف الاتجاهات، ومرر برفق وغفاً حلبياً على أنحاء جسده النحيل، قبل أن يسكب عليه مياهاً ساخنة، ويعود ليلفه بمنشفة تغطيه بالكامل، فينتهي يوم الخميس بهذا الطقس الذي اعتاده منذ خمسة عقود. الحاج
كان مستسلماً بوداعة طفل، لبراعة (مدلك) الحمام، الذي أماله بمختلف الاتجاهات، ومرر برفق وغفاً حلبياً على أنحاء جسده النحيل، قبل أن يسكب عليه مياهاً ساخنة، ويعود ليلفه بمنشفة تغطيه بالكامل، فينتهي يوم الخميس بهذا الطقس الذي اعتاده منذ خمسة عقود.
الحاج ثامر، واحد من القلائل في الموصل، ممن حافظوا على وفائهم للحمامات العامة، في وقت هجر فيه معظم السكان هذه العادة القديمة، بسبب المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن سنوات غياب الأمن.
قال وهو يتشبث بمنشفة مخططة بألوان زاهية: " الحمام المنزلي، لا يمنحني الراحة التي أجدها هنا"، ثم تابع " لا أبذل أي مجهود يذكر، أنزع ثيابي فقط، ليتولى هذا الوحش باقي المهمة"، وأشار إلى رجل ضخم في عقده الرابع يدعى مجيد، يرتفع كرشه وينخفض بتناغم مع حركات ذراعيه وهي تلف زبوناً آخر يتصاعد منه البخار في إحدى زوايا الحمام.
ثامر مدرس تاريخ متقاعد، يطلق على نفسه لقب ابن بطوطة المدارس، لأنه جال في الكثير منها طوال سنوات عمره الوظيفيه، ليس في مدينة الموصل فحسب، وإنما في الأقضية والنواحي المحيطة بها.
" أنا ابن بطوطة الحمامات أيضاً "، قال هذا وهو يفرك فروة رأسه الأشيب بمنشفة بيضاء صغيرة :" كان في الموصل 44 حماماً شعبياً، استحممت في معظمها، كما فعل جدي وأبي، وكذلك أمي"، وأفرد أصابع كفه الأيسر، وتمتم بحزن " لم يبق منها سوى أقل من هذه"، ثم ابتسم بمكر، كاشفاً عن خراب أسنانه: " كانت هنالك أيضاً حمامات للنساء، بجوار حمامات الرجال، كانت الدنيا بخير ".
يحيى جارو، صاحب حمام الدواسة حيث يستحم الحاج ثامر، كان قريباً، والتقطت أذناه تفاصيل الحديث، قال بصوت غليظ، رددت صداه جدران الحمام : " ستختفي الحمامات العامة بسبب الحكومة".
ثم نهض سائراً وهو يستعرض فراغ الحمام من الزبائن: "الحكومة قتلت مهنتنا، بعد أن قلصت حصتنا من النفط الأبيض إلى 3000لتراً في السنة، بعد أن كانت 18000 لتراً، وعندما لجأنا إلى النفط الأسود لتشغيل (المواقد )، لاحقتنا دائرة البيئة بتهمة الإضرار البيئي" !.
واصل جارو بعد أن جلس إلى نضد عند مدخل الحمام : خمسين عاماً قضيتها في المهنة، لم أر كساداً فيها كما يحدث الآن، ورغماً عنا رفعنا الأجور من 500 ، إلى 3500دينار، نحن نشتري النفط الأبيض من السوق السوداء".
في هذه الأثناء، كان الحاج ثامر قد جف تماماً، واتخذ مكانه في زاوية شرب الشاي، ذكر كمن يقلب صفحات كتاب قديم، أن الأعراس في مدينة الموصل، ما كانت لتكتمل دون زيارة العريسين للحمام، وسط طقوس اعتاد عليها الناس جيلاً بعد جيل.
كانا يمكثان هناك طوال ساعات النهار، العريس ومعه أقرباؤه وأصدقاؤه، فتردد الأغاني الشعبية ومنها ( ورد حاق بصوت عال)، ويسود الهرج والصخب، ولا شيء يعلو فوق ذلك سوى صوت ( طاسات ) الحمام، وهي تدق في الأرجاء.
وبالمقابل ، يقول الحاج ثامر، كانت العروسة تحاط بالهلاهل، في حمام النساء الملاصق في العادة لحمام الرجال، وكانت النسوة يستعرضن حليهن، وأهمها( الحجول )، ويملأن الحمام بأطباق الحلويات، وضجيج وثرثرة غير متناهيين، واسترسل : " كيف لا وهو حمام نسوان ".
جال الحاج ثامر ببصره في أرجاء الحمام، قبل أن يشير إلى أن حمامات الموصل القديمة، كانت تبنى على نحو منخفض من الأرض لكي تحافظ على الدفء، وتمتاز سقوفها بالقباب الجصية التي تمنع تكثف المياه، وسقوطها باردة على من في الحمام، كما يحدث للسقوف المستوية.
والحمامات كانت تعتمد على الآبار التي تحفر قريباً منها وأحيانا بداخلها كما كان يحدث في منازل وبيوتات الموصل القديمة.
هز رأسه وهو يقارن بين عصور عاشها: " قبل عقود طويلة، كانت الحكومة تمنع تصريف مياه الحمامات إلى مجرى نهر دجلة، بخلاف الوقت الحالي، حيث تصب فيها مياه المجاري، وفضلات المعامل والمستشفيات".
وفسر ثامر، انتشار الحمامات في مدينة الموصل في عقود سابقة، بسبب مركزها الاقتصادي والتجاري، وكان الناس يتوافدون إليها من شتى المحافظات العراقية، إضافة إلى سكان القرى والبلدات المحيطة بمدينة الموصل.فضلاً عن معسكرات الجيش الكثيرة التي كانت موجودة في المدينة وأطرافها، ومعظم الجنود فيها كانوا من مدن عراقية أخرى، إضافةً إلى أن طبيعة الحياة كانت مختلفة، على حد وصفه.
وبين الحاج ثامر، أن الموصل عرفت حمامات مشهورة جداً على مستوى العراق، كحمامات المنقوشة، والقلعة، وعبيد آغا، وقره علي، والقشلة، والتك، وزرياب إلا أن أشهرها على الإطلاق، حمام العليل الذي يبعد 17 كيلو متراً إلى الجنوب من الموصل، بمياهها المعدنية، التي كان يقصدها المصابون بالأمراض الجلدية من أنحاء البلاد كافة، وحتى خارجها .
وعلى مسافة قريبة من ذلك الحمام، وتحديداً على نهر دجلة، هنالك عينان للمياه المعدنية، إحداها مياهها باردة يطلق عليها ( فصوصة)تستخدم لعلاج أمراض الجرب والحكة والحساسية وسواها، والعين الأخرى وتسمى ( زهرة)، تخرج منها مياه ساخنة، تعالج أمراضاً عديدة منها أمراض المفاصل.
وحتى هذا المكان، يتابع الحاج ثامر : "فقد الاهتمام، وتحول إلى مكان مهجور ".
بعد أن فرغ المدلك مجيد من عصر المناشف، وفرشها بجوار مدفأة كبيرة، حمل أواني (طاسات) وبدأ يقرع متنقلاً في الحمام، ويردد أغنية موصلية قديمة اختلطت كلماتها بالضجيج الذي يحدثه، قال يحيى جارو " إنها عادة لايمكن التخلص منها في الحمامات، حتى في غياب الزبائن، أنه الشيء الوحيد الذي بات يذكر بوجودها".
ولفت جارو، إلى أن الحمامات العامة أو الشعبية كما يطلق عليها، تمضي نحو الانقراض، كما حدث لدور العرض السينمائية، والمسارح، ومهن عديدة كانت الموصل تمتاز بها وتفاخر، وكل ذلك بسبب التجاهل الحكومية وغياب الدعم، ثم قال بشيء من الغضب " الموصل تفقد خصوصيتها ".
سكت قليلاً وهو يتابع خطى الحاج ثامر وهي تجتاز مغادرةً عتبة الحمام، ثم همس : " لا أدري إن كان سيعود مرة أخرى، أنا أفقد زبائني واحداً تلو الآخر ".










