TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > عذاب بغداد

عذاب بغداد

نشر في: 11 يناير, 2013: 08:00 م

أحد أهم الأسباب التي تجعل بغداد مكانا غير لائق للعيش هو غياب نظام مرور سلس فيها. ويعد المتضررون من هذا الواقع بالملايين. كل سكان العاصمة متضررون منه، وفي مقدمتهم القوى العاملة والطلبة، أي كل المضطرين الى الخروج يوميا من بيوتهم والعودة اليها.
أما سواق سيارات الأجرة فلا شك في أنهم الفئة الأشد تضررا. فهم ينفقون يوم عملهم جميعا في الشوارع المكتظة بالإختناقات المرورية. وحين تفكر بأحوالهم وهم يواجهون هذا المأزق في كل لحظة تعجب من جلدهم وقوة أعصابهم. أما بقية الشرائح فإنها تتعذب أيضا، ولكن بدرجات أقل. وهذه الشرائح هي الأقل عددا، مثل المتقاعدين وربات البيوت.
ولكن حتى هؤلاء المرابطين في بيوتهم ليسوا بمنجى عن العذاب اليومي. فلربات البيوت أزواج وأبناء وبنات، يخرجون ويعودون بأسوأ حال. وهذا لا يساعد على توفير أجواء نفسية مريحة لهن، لأن ذويهن العائدين من مرارة الأوقات الطويلة في ازدحامات السير يأتونهن مرهقين محتقنين. والمُرهَق مُرهِق. انهن في الحالات الطبيعية ينتظرن من ذويهن العودة بمباهج الخارج الواسع الى البيت الضيق. فاذا بهم يعودون من ضيق الى ضيق.
هكذا يعم عذاب ازدحامات السير سكان بغداد كافة. والعذاب شيء لا يمكن اعتياده ولا التآلف معه. ذلك انه عذاب. تأخذه معك الى العمل أو الدراسة، فتكون في أسوأ حالات قدرتك على الخدمة اذا كنت عاملا أو موظفا، وفي أسوأ حالات قدرتك على الاستيعاب اذا كنت طالبا. وستنوء بالقهر نفسه في طريق العودة. وكل من الطريقين، الذهاب والإياب، فيه زيادة ساعة بالقليل على المعدل الطبيعي لزمن الطريق، فوق شوفة العسكر وهي تذكرةٌ موجعة بأن الحرب لم تغرب عن هذه  البلاد.
ويكاد المعدل الطبيعي لزمن الطرق أن يكون قد نُسي، نظرا لاستمرار أزمة المرور في بغداد عشر سنوات متواصلة. أي منذ التغيير عام 2003. صحيح ان السيارات كانت أقل في بداية التغيير. لكن المرور السلس كان قد انتهى منذ بدأ التغيير وباشر"الهمر" الأميركي خنق الطرق. ولعلكم تذكرون كيف كان "الهمر" يتخذ لنفسه فجأة موقعا في الطريق، ويحرن الوقت الذي يلائمه، فينقطع الطريق وتبقى السيارات في الانتظار الى أن يحل الفرج.
ولم نكد نخلص من تلك السيرة فاذا وارثها ألعن. فقد حلت السيطرات أو نقاط التفتيش العسكرية محل الهمرات. ومع عسكرة بغداد المكثفة بهذه السيطرات اشتدت أزمة السير وتفاقمت. وهي ككل أزمات البلاد تبدو بلا حل. بل انها قد لا تبدو أزمة بالنسبة الى الحكومة، ذلك ان قيادة هذه الحكومة تعيش بعيدا عن الشوارع، تعيش هناك.. في المنطقة الخضراء. والبعيد عن العين بعيد عن القلب. وهذه حقيقة. فلكي تشعر بمشكلة عليك أن تراها لتحس بها ثم تفهمها لتبدأ محاولة حلها، وذلك اذا تمتعت أصلا بملَكَة حل لا صنع المشاكل.
هذا من جهة الحكومة. ماذا عنا نحن الملتاعين بهذه الأزمة؟ ألا توجد نقابات أو جمعيات يمكن لها أن تبادر بأعمال ما للضغط على الحكومة من أجل حلها؟ يخيل الي ان اضرابا شاملا ليوم واحد في بغداد قد يصنع شيئا. لكن أي نقابة أو جمعية من جمعيات المجتمع المدني غير القابضة مؤهلة للدعوة الى مثل هذا الاضراب العام وصنع الاستجابة له؟
والحال فإنه اذا لم يكن لدينا من يمثلنا في السياسة ولا من يمثلنا في المجتمع المدني، فلنسلِّم أمرنا الى الله، وهو كريم يجيب دعوة الداعي اذا دعا، ونكثر من الأدعية لحل أزمة المرور، وهذه في اليد ولا تكلف شيئا. فإذا ما استجاب الباري عز وجل، وهو على كل شيء قدير، فإن ما سينتهي ليس أزمة المرور فحسب، بل الحكم العسكري نفسه الذي يقف وراء هذه الأزمة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram