TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > زيارة شتوية بصحبة بيسوا

زيارة شتوية بصحبة بيسوا

نشر في: 29 يناير, 2013: 08:00 م

أمام مقهى البرازيلية، في الكيادو، الحي القديم من لشبونة، يبرز تمثال الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا، جالساً عند شرفة المقهى، وكأنه أحد رواد المقهى. إلى جانبه، عند طاولة أخرى جلست الآن امرأة جميلة، عمرها في أواسط الثلاثين، نظرتها ضائعة تكتم حزناً عميقاً. المرأة، تبدو غير برتغالية، من الصعب معرفة هوية البلاد التي جاءت منها، وجهها يوحي بكل الاحتمالات، ربما أميركية، أو إسبانية، بل لماذا لا تكون عراقية أو لبنانية مثلاً؟ لكنها على أية حال، تبدو مشلولة، بلا حراك، في جلستها تلك إلى جانب التمثال البرونزي للشاعر. أراقبها من أقاصي شرفة المقهى، حيث أجلس وحيداً، بينما أواصل كتابة هذه السطور، وأمامي كأس من الكامباري، تحت شمس الشتاء الجميلة النادرة، إلا في البرتغال، بلاد رحلاتي الشتوية. أي غمّ أوجب هذا الكرب الذي تعبر عنه عينا هذه المرأة؟ أفكر ببيت من الشعر لفيرناندو بيسوا: "وما أنا إلا حلم حزين".

لشبونة في نهاية ديسمبر، وفي أيام أعياد الميلاد بالذات تفوح برائحة دكاكين الحلويات، برائحة محال بيع القطن، برائحة مياه نهر التاج الرطبة. رطوبتها العسلية تصعد حتى الطرق الوعرة لحي الفاما حيث محال العِطارة الصغيرة، ومكتبات بيع الكتب الرخيصة، وأكشاك بيع اللحوم والأسماك المملحة، التي تمزج تلك الروائح بروائح أخرى مختلفة. عبر كأس الكمباري اللذيذ، وعبر رائحة القهوة المحمصة، من الممكن، أن تخطر على البال فجأة ذكرى قديمة، أو أسماء اختفت عادة في زوايا القلب الولهان، فتكتشف حينها في نفسك ذلك الطفل الذي كان يلعب في ميدان صغير، بعيد هو الآن، شبيه بميادين هذه المدينة الساحرة. ربما هي الروائح التي يبعثها محل لبيع التبغ، أو تلك التي تبعثها ورشة لتصليح الدراجات، أو تلك التي تأتي من محل لبيع الفحم، يحملك على تذكر حبِّ نسيته في مكان هو الآخر منسي. ليست هي المرة الأولى، في كل رحلة تكتشف رائحة ما خاصة، تشمها أنت وحدك، بين كل تلك الروائح التي تلون فضاء مدينة ما، هناك رائحة ما تعود إليك فقط، تظل عالقة في أنفك، مع مرور السنوات، رائحة تعود إليك فقط، مفترضاً أنها شكلت روحك، قطعة، قطعة، رغم أنها غالباً حلوة جداً، وفي مرات عديدة أخرى مميتة.

أتخيل: كيف أن المرأة الجالسة جاءت وحيدة إلى لشبونة. وإذا كانت واقعة في حب بيسوا، فإنها زارت بالتأكيد أيضاً مقهى مارتينيو دآركادا، حيث كان الشاعر العاشق، الذي أتعبته الضغائن والأيام، وأكثر: أضنى قلبه المريض رفض مواطنيه "البرتغاليين" له ولما يكتبه، يشرب أشد الكحول قوة، يسكر حتى الهزال لكي يبث في نفسه الحماسة ليتجاوز يأسه، وليبدأ بكتابة ما يُثقل صدره، أو ليملي ما تبقى عنده من عذاب على ذواته "المنقسمة" الأخرى: ريكاردو رايس، البيرتو كائيرو، الفارو كامبوس، فيرناندو سواريش، أنتونيو مورا، بيثنته كيديس، الكسندر سياج وغيرهم، لكي ينسى ولو للحظات قليلة وظيفته المملة (مترجماً في مكتب للمراسلات التجارية)، وليحلم بنفسه مثل أمير يرحل ليلاً عبر طريق مدينة سينترا البحرية، على مقود سيارة شيفروليه، يحصل عند مرروه على قبلة طائرة في الهواء من فتاة "أضناها الكرب والوجد" هي الأخرى تحلم به (من قصيدة لبيسوا).

أقول لنفسي: لماذا لا تكون المرأة الجالسة عند بيسوا، قادمة من بلاد يعرفها الله وحده، قد جالت الأمس، أو اليوم عبر أزقة لشبونة دون هدف، وأحست بين كل روائح الأعشاب والبهارات رائحة تصعد فجأة إلى أنفها، رائحة جسد عار وعرقان، يسكب الحب قطرة قطرة، جسد برز للعيان من عمق البنسيون حيث عاشت منذ زمن قديم حباً كبيراً نهايته دموع الوداع. وهي رائحة بيسوا التي تغلف هواء لشبونة، جعلتها تفيق ثانية، وكمن شرب شراباً حلواً قوياً، مثل الذي شربه بيسوا، فائدته تمنحها الآلهة فقط لصفوة قليلة، استطاعت المرأة، ساعدتها رائحة بيسوا، في النجاح بالعودة للحياة دون أن تنتهي بتحطيم نفسها عند شرفة المقهى البرازيلية، وتظل هنا بعد تحولها إلى تمثال، سوية معه، مع فيرناندو بيسوا، عيونها مليئة بالميلانكوليا. "الواقع ليس بحاجة لي". في شكلها الذي اتخذ شكل التمثال البرونزي للشاعر ذاته تبدو المرأة جالسة وهي تفكر في كلمات بيسوا تلك.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram