وسط اصطفافات جديدة في "الشارع السوري"، الموضوع المهيمن هو "العودة إلى الجذور" في وقت يتمزق فيه النسيج الاجتماعي السوري على وفق الخطوط الإثنية والطوائفية. لقد تطور القتال في سوريا إلى حرب أهلية بكل ما في الكلمة من معنى، مع صراع بين السلفيين الإسلاميي
وسط اصطفافات جديدة في "الشارع السوري"، الموضوع المهيمن هو "العودة إلى الجذور" في وقت يتمزق فيه النسيج الاجتماعي السوري على وفق الخطوط الإثنية والطوائفية.
لقد تطور القتال في سوريا إلى حرب أهلية بكل ما في الكلمة من معنى، مع صراع بين السلفيين الإسلاميين والعلويين، ومؤخرا، بين المتطرفين الإسلاميين والعلمانيين الكرد في سري كانيه. أما المعارضة الإسلامية المعتدلة، التي يمثلها الإخوان المسلمون، فقد وجدت أن دورها قد تحجّم بشدة لصالح الجماعات المتطرفة والجهاديين. إذ أن "حروبهم" انحرفت من التركيز على هدف الثورة الرئيس، المتمثل بالإطاحة بالنظام البعثي. ذلك أن المعارك الأخيرة والمذابح تحدث على أساس تقسيم سوريا طائفيا أو إثنيا إلى أربعة أجزاء:
الجزء الكردي:
هذا الجزء هو شمال سوريا، ومن بينه الحسكة، والقامشلي، وشمال شرق محافظة حلب. وتسكن هذه المنطقة أغلبية كردية. وهي غنية بالنفط وأرضها خصبة وتحتوي مواقع آثارية عدة.
ومن المعروف أن انتماء الكرد قومي وليس دينيا: العلمانية هو التوجه الأعم بينهم. إلاّ أن المعارضة السلفية، وبأوامر من "أطراف ثالثة" خارجية، عمدت إلى تحويل بوصلتها إلى الشمال، بدلا من مهاجمة معاقل النظام في دمشق. فقد شنت حربا لا ضرورة لها ضد الكرد في بعض المناطق، إلا أن الكرد شكلوا لجان حماية شعبية، في أعقاب تشكيل السلطة الكردية العليا (دست يا بيلند)، لحماية المدن الكردية.
الفيدرالية هي المطلب الأساس لكرد سوريا. وهذا المطلب ينبع من ظلم تاريخي، وسياسة إقصاء وتهميش مارسها النظام ضد الكرد منذ تولي البعث السلطة. والكرد يتمتعون بدعم دولي وإقليمي جيد قد يجعلهم من اكبر المنتفعين من الثورة السورية. لكن هذا الأمر يتطلب وحدة الكرد في عموم الأحزاب السياسية الكردية على الرغم من اختلافاتهم الأيديولوجية.
الجزء الدرزي:
هذا الجزء يغطي المنطقة الجنوبية من سوريا، التي تشمل سهل حوران. ومعظم سكان هذه المنطقة هم من الطائفة الدرزية، التي هي طائفة باطنية مسلمة. وهذه الطائفة تعد من داعمي نظام بشار الأسد، لكن دعمها هذا ليس مطلقا: إذ هو ناشئ من خوف من الإسلاميين الذين ارتكبوا مذابح عدة ضد الدروز، بينما نظام البعث وفر لهم بعض الحماية.
والدروز لا يختلفون أيديولوجيا عن الإسرائيليين ويبرزون في قوات النخبة في الجيش الإسرائيلي، كولانا. وعلى هذا، فإن إسرائيل تدعمم بقوة إنشاء منطقة فيدرالية أو منطقة حكم ذاتي للدروز لحماية حدودها الشمالية من المجموعات المتطرفة.
الجزء العَلَوي:
هذه المنطقة تضم الساحل السوري وتشمل محافظات طرطوس واللاذقية. وتسكنها أغلبية علوية، معظمهم يساندون نظام بشار الأسد. لكن هناك قطاعات من بينهم يشعرون بأنهم مجبرون على مساندة النظام بسبب تهديد مجموعات المعارضة الدائم لهم بتعريضهم إلى مذبحة ـ كما يحدث يوميا في سوريا بسلسلة أعمال القتل الطافية.
وهذا الجزء يلقى دعما دوليا من جانب روسيا والأمم المتحدة بحجة حماية الأقليات. كما أن فيها قاعدة بحرية عسكرية روسية، وبنية تحتية ممتازة وميناء طرطوس. وقد أقدم بشار الأسد على تسليح أهل هذه المنطقة لضمان سلامته وعائلته في حال انهيار النظام في دمشق، وفي هذه الحال قد ينتقل الأسد إلى هذه المنطقة وإعلان "مقر حكومي" جديد في منطقة فيدرالية أو تحكم نفسها بنفسها.
الجزء السنّي:
ويشمل هذا الجزء منطقة سوريا الداخلية، ويشكل السنّة ما يزيد على 50% من سكان هذه المنطقة وقد تعرضت للدمار والخراب بسبب الحرب الجارية. وأراضيها فقيرة بالموارد وغير زراعية وقسم كبير منها يشكل البادية (البادية السورية).
وهذه المنطقة ستكون في حرب دائمة مع المناطق الأخرى، تحت ذرائع متنوعة، إلا أن السبب الرئيس سيكون اقتصاديا. وتحصل هذه المنطقة على دعم سعودي وقطري. وبين أوساط أهل هذه المنطقة هناك مجموعات معتدلة وعلمانية لكنها ستعاني من التوجه السلفي فيها، الذي سيحاول فرض نفسه بالسلاح.
ساحة مميتة
علامات الانقسامات هذه صارت تزداد وضوحاً يوماً بعد آخر والتعامل بالسياسة الطائفية هو الجاري الآن على الأرض. ويبدو أن سوريا صارت "ساحة مميتة" للعديد من بلدان المنطقة والقوى الدولية، ومكان تصفية حسابات ـ وكل هذا يجري على حساب وحدة الشعب السوري وأمنه.
*سياسي كردي مستقل من منطقة عفرين، سوريا، متخصص في القضايا الكردية وأحزابها.










