تداعيات حالة العنف، التي اندلعت في مصر منذ حلول الذكرى الثانية على ثورة 25 كانون الثاني، استدعت إلى سطح الأحداث عودة طبيعة التعامل مع الملف الأمني بشقيّه: الأمني والعسكري. الشق الأول يخص وزارة الداخلية وقواتها المختلفة، التي عادت مؤخرا إلى إقحام نفسه
تداعيات حالة العنف، التي اندلعت في مصر منذ حلول الذكرى الثانية على ثورة 25 كانون الثاني، استدعت إلى سطح الأحداث عودة طبيعة التعامل مع الملف الأمني بشقيّه: الأمني والعسكري. الشق الأول يخص وزارة الداخلية وقواتها المختلفة، التي عادت مؤخرا إلى إقحام نفسها في حقل الألغام نفسه، الذي مزّق مفاصلها منذ عامين، بعد أن استبعد مرسي ومكتب إرشاد الجماعة وزير الداخلية السابق عقابا على إصراره على حماية استقلال الجهاز الأمني ومقاومة تحويله إلى جهاز "في خدمة الجماعة وأهدافها"، فضلا عن خطوات ،أهمها السعي نحو إيجاد تقارب بين الجيش والشرطة، وإلقاء القبض على حارس خيرت الشاطر ـ الذي يدير الجماعة ومصر حاليا ـ، ورفض الوزير وضباطه تأمين مقرات الجماعة وحزب الحرية والعدالة. إلاّ أن جماعة "السمع والطاعة" وجدت في هذه الإجراءات تمردا غير مقبول.
الوزير الجديد، ، اللواء محمد إبراهيم، الذي سبق أن تولى ملفات الجماعات الإسلامية وتربطه صلة شخصية وعائلية مع مرسي وقيادات الجماعة، اختار أن يبدأ عهده بتقديم كل فروض الطاعة والولاء، ابتداءً من حفلات تعذيب شباب الثورة وسحلهم، التي تقام داخل معسكرات الأمن المركزي، حتى تصفيتهم جسديا.
والمثير للتساؤل أن ما يجمع بين الذين تمت تصفيتهم هو توليهم مسؤولية إدارة صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي وتجمعات تفضح وترفض الهيمنة الإخوانية.
سياسة الوزير الجديد أعادت الذكرى القبيحة لممارسات هذا الجهاز ضد معارضي مبارك، بل وفاقتها شراسة. وقد كانت احد الأسباب الرئيسة لاندلاع الثورة. ولعلّ هذا يشي بقصر نظر، لأن سياسة وضع هذا الجهاز في بين يدي رغبات الإخوان إلى درجة التضحية به حينما يضعونه في مواجهة غضب شعبي عارم، ستؤدي إلى تحطيمه وهو ما زال يحاول لملمة أشلائه، التي تناثرت منذ عامين.
لقد استدرج الإخوان الوزير بسهولة إلى الفخ، ونجحوا في تطويعه وسيلة لتحقيق أهدافهم في تدمير الجهاز الأمني لمصلحة ميليشياتهم المسلحة من دون أن يتحملوا هم عناء هذه المهمة.
لذا كان من البديهي أن تُثير هذه السقطة غضباً في أوساط ضباط الشرطة.
الجيش، المؤسسة التي نجحت حتى الآن في الحفاظ على تماسكها، كان أكثر وعياً في عدم الانزلاق إلى مستنقع مخطط مرسي وجماعته. فقد احتوت هذه المؤسسة أزمات عديدة على الرغم من مستوى الاحتقان والغضب بين أفرادها إثر أخطاء ارتكبها المجلس العسكري أثناء إدارته المرحلة الانتقالية وأثارت الشارع ضده.
الجيش أعاد تأكيد موقفه الحيادي من الأطراف السياسية، وأنه جيش الشعب، وليس جيش مرسي، في مواقف من أبرزها رفضه مشاركة الشرطة الممارسات القمعية ضد المتظاهرين أو حتى حماية قصر الرئاسة، الاتحادية، من الهجمات التي يتعرض لها أسبوعيا، كونها من مهام الحرس الجمهوري، الذي بدوره أيضا رفض في الأسبوع الماضي التصدي للمتظاهرين وانتقلت قواته داخل أسوار القصر.
كما ظهر واضحا التوتر بين الرئاسة والجيش خلال الاجتماع الأخير بين قادة القوات المسلحة ومرسي. إذ رفضوا طلب الأخير بالتدخل واستخدام القوة لمواجهة المتظاهرين، بل غادر بعض القادة الاجتماع غاضبين، كما ورد في تقرير جريدة وورلد تريبيون الأميركية.
الجيش، الذي يدرك أنه قوة حاسمة في الصراع السياسي الدائر، رفض أن يُقدَّم بوصفه داعما الرئاسة في محاولاتها امتصاص الغضب الشعبي العارم ضدها، من طريق إدعاء التقارب بينهما.
إن تحذير وزير الدفاع من استمرار الصراع بين القوى السياسية، بخاصة بعدما انتقل إلى العنف، ما قد يؤدي إلى انهيار الدولة ومؤسساتها، ربما يوحي بأن المؤسسة العسكرية لن تقف صامتة إزاء ما حذّرت منه، لاسيما أن الجيش يُتابع تهاوي شرعية مرسي يوميا نتيجة القتل الممنهج بيد أجهزة الأمن بناء على توجيهاته.
اليوم تبدو مصر في ظروف مشابهة لتلك التي كانت منذ عامين. ولعلّ الجيش سيتصرف بالطريقة نفسها عندما انحاز إلى الشارع المصري متخلياً عن سلطة مبارك.
* كاتبة عراقية مقيمة في القاهرة










