TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > شباط الكذّاب... الذي يأتي بالانقلاب

شباط الكذّاب... الذي يأتي بالانقلاب

نشر في: 10 فبراير, 2013: 08:00 م

 بعد خمسين سنة، لا يتذكر كثيرون هذا اليوم الدامي. بعض يحاول نسيانه وبعض آخر -وهو الأكثر- لا يعرفه، حتى أني سألت بعض المحيطين بي عنه، فقال أحدهم إنه يوم احتلال الكويت! وأجاب آخر أن 8 شباط هو تاريخ ثورة 14 تموز! أقلعت عن هذا الاستفتاء المضحك، وأل

 بعد خمسين سنة، لا يتذكر كثيرون هذا اليوم الدامي. بعض يحاول نسيانه وبعض آخر -وهو الأكثر- لا يعرفه، حتى أني سألت بعض المحيطين بي عنه، فقال أحدهم إنه يوم احتلال الكويت! وأجاب آخر أن 8 شباط هو تاريخ ثورة 14 تموز!

أقلعت عن هذا الاستفتاء المضحك، وألقيت من يدي تلك الصحيفة العراقية، التي نشرت اليوم نبذه قصيرة عن انقلاب 8 شباط في صفحة "فنون"! وقررت أن أعود بكم لخمسين سنة إلى الوراء.

كان صباحا مختلفا عن صباحات العراقيين، يوم الجمعة الثامن من شباط، الذي وافق الرابع عشر من رمضان من العام 1963. كان أول يوم من أيام جمهورية الخوف، التي حكمت العراق أربعة عقود.

في الساعة الثامنة والنصف، توقف البث الإذاعي فجأة. ثم تبين أن فريقاً صغيراً من العسكر استطاع الاستيلاء على محطة الإرسال الإذاعي، وتوجهت مجموعة من الضباط إلى منزل قائد القوة الجوية، الزعيم جلال الأوقاتي، لتطلق عليه الناروترديه قتيلا.

كان ذلك أول خطوة في تنفيذ عملية الانقلاب العسكري على الزعيم عبد الكريم قاسم. في تلك اللحظة كانت عدة طائرات قادمة من قاعدة الحبانية قد ظهرت فجأة فوق "معسكر الرشيد" لتدمر الطائرات الموجودة فيه، بالتزامن مع قصف شديد لمبنى وزارة الدفاع. وقيل إن بعض الطائرات أقلعت من دولة مجاورة لم تكن تحب قاسم، الذي يروى أنه سمع بيان الانقلاب من الإذاعة فقرر التوجه إلى مبنى وزارة الدفاع، بعد أن مرّ على عدد من أحياء بغداد، محيياً محبيه، وهو يبحث في هتاف الناس  "ماكو زعيم إلا كريم" عن المزيد من الاطمئنان.

أنا موقن أنه كان يبتسم ويؤكد لنفسه مراراً أن "الشعب يريدني" ولن يؤثر الانقلاب على الدولة. وربما قال في نفسه إن الأمر "مجرد فقاعة".

سكان بغداد كانوا محتارين بين الإذاعة والتلفزيون. فإذاعة بغداد كانت تتحدث عن موت قاسم، بينما التلفزيون يبث خطباً حماسية مسجلة له. وكان مبنى وزارة الدفاع يشهد موقفاً درامياً عصيباً. فالطائرات تقصف المبنى، ومحبّو عبد الكريم قاسم، الذين تظاهروا أمامه، يطالبونه بتسليحهم لمواجهة ميليشيا الحرس القومي المرتبطة بالانقلابيين الحاملين غدارات بور سعيد، التي أرسلها لهم عبد الناصر، الذي كان هو الآخر لا يحب قاسم ويلعب دورا شبيها بالدور الذي تلعبه اليوم دولة قطر أو تركيا تجاه العراق. لكن عبد الكريم قاسم كان يرفض تسليح الجماهير، لأنه لم يرد أن يشعل حرباً أهلية، على ما يذكر المؤرخون له. كان يراهن على ما يمتلكه من كاريزما وعلى حب العراقيين له. حاول قاسم الاتصال ببعض قطعاته إلاّ أنها خذلته. في هذه الأثناء، كان المواطنون يخرجون إلى الشارع ويتجمعون في جماعات محاولين فعل شيء لفك الحصار عن الرجل الذي أحبوه وتعاطفوا مع نبله ونزاهته وشعوره بآلام الفقراء. في وسط تلك الأجواء تسللت دبابات كانت تحمل صور قاسم وسط الجماهير، ما دعاهم للترحيب بها والهتاف بحياة الزعيم ،متصورين أنها قادمة لمساعدته وفك حصاره. حين وصلت الدبابات إلى بوابة وزارة الدفاع، تبين أنها كانت للانقلابيين لتنهي المشهد بالسيطرة على الوزارة. حوصر قاسم حتى سلّم نفسه. وفي الساعة السادسة من صباح اليوم التالي تم أخذه إلى مبنى الإذاعة في الصالحية. وهناك بدأت محاكمة صورية لا تتجاوز عدة دقائق كان فيها قائد الانقلاب، عبد السلام عارف بنفسه، يستجوب قاسم. وحسب رواية العديد من الشهود، كان عبد السلام يريد أن ينتزع من قاسم اعترافاً بأنه لم يكن القائد الحقيقي لثورة 14 تموز 1958. أُعدم الزعيم عبد الكريم قاسم في قاعة الموسيقى في دار الإذاعة ببغداد في الواحدة والنصف ظهرا، رافضا أن تُعصب عيناه، لتبدأ بعد ذلك أسوأ مرحلة من مراحل تاريخ العراق ،حيث فتح سقوط الجمهورية الأولى  التي قادها قاسم، الباب أمام ظهور الرعيل الأول من الذباحين وتجار الأيدولوجيا ومتعهدي الحرب بالنيابة.

البعض يعتقد أن سياسة "عفا الله عما سلف" هي التي أدّت إلى هذا المصير المأساوي للشهيد عبد الكريم قاسم. ففي الوقت الذي كان فيه الشارع يهتف "اعدم" مطالبا بالاقتصاص من أعداء التجربة، كان قاسم يبدي من التسامح الشيء الكثير، بل انه قام في أحد الاجتماعات العسكرية بإبراز ورقة مطوية في يده وهو يقول لعدد من ضباطه: "إنني أعرف أن بينكم من يعد لمؤامرة ولديّ في هذه الورقة أسماؤهم". لكنه لم يفعل شيئا. وقال ذات مرة في تصريح صحفي: "...إنهم يسعون إلى تلغيم البلاد من الداخل. إنني أعرف أسماء كافة العناصر المخربة، إلا أن أمر اعتقالهم لا يعود لي بصفتي رئيساً للحكومة. إنما أترك الأجهزة المسؤولة في الدولة كي تقوم بواجباتها الملقاة على عاتقها". كان عبد الكريم قاسم يعرف أن هناك انقلابا في الأفق وحذّره الكثيرون من مغبة هذه المواقف غير الحازمة، حتى أن الجواهري الكبير قال له ذات يوم:

"كريم وفي المراء جبانةٌ، تُزرى، وصنو شجاعة، إصراحُكنت العطـوف به يُراض جماحُ فكن العنـوفَ به يهاضُ جناحُلا تأخذنــكَ رحمة في موقف جــدٍ، فجـدُ الراحميـــن مزاحُولطالما حصد الندامةَ مسمحٌ، وأتى بشرٍ ثماره الأسماحُولقد تكون من القساوةٍ رحمةٌ، ومن النكالِ مبرةٌ وصلاحُ"

يقول بعض مؤرخي فترة قاسم إن حكومته ضعفت كثيرا، ولم يبق من وزرائها الذين تشكلت منهم بعد ثورة 14 تموز 1958 أحد سوى قاسم نفسه. وانعزل قاسم عن القوى السياسية الوطنية التي وقفت مع الثورة. وفي العامين الأخيرين من حكمه دخل في حرب ضروس مع الكرد، بعد أن استفزهم واستفزوه. واعترف بعض قادتهم في السنوات الأخيرة بأن حربهم  ضد قاسم لم يكن لها من داع.

خمسون سنة مرت على ذلك اليوم، لكن يبدو أن  التحديات  نفسها ما زالت موجودة. وبلغتنا المعاصرة، أقول إن قاسم كان يواجه مشروعا إقليميا ودوليا كان يتحرك حوله، بينما كان مناوئوه يتحركون بجد لإسقاطه عبر محاولة ركوب أي موجة أو أي قطار يعيدهم إلى السلطة. ثم أن هناك عوامل أخرى تتلخص في ثقته المبالغ بها في نفسه، ورهانه الزائد عن الحد على الشارع، وتخليه عن بعض حلفائه الأقوياء، وتخلي بعض الحلفاء عنه في أحلك الأوقات، والدخول في حرب باردة مع بعض مكونات المشهد الاجتماعي، وخصوصا الكرد، وتساهله مع خصومه وإصراره على شعار "عفا الله عما سلف"، الذي مثّل نوعا مما نسميه اليوم بالمصالحة، وتهاونه في مواقع كان الظرف يفرض عليه أن يكون حازما فيها، فضلا عن عجزه عن لملمة أطراف حكومته ومساعديه والمحسوبين عليه.

هذه العوامل هي التي قادت إلى هذا المصير المأساوي لواحد من أكثر الزعامات العراقية تأثيرا وحضورا في الوجدان الوطني.

 

*كاتب وإعلامي عراقي

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

طائرة مسيّرة تستهدف مطار الكويت الدولي وإصابات طفيفة بين العاملين

دوي انفجار كبير في دبي.. ورفع حالة الطوارئ الجوية

نجمٌ من الزمن الجميل ينطفئ.. ويظل مضيئاً!

عصائب أهل الحق تدين العدوان على إيران وتستنكر قصف جرف النصر

تحركات عراقية عاجلة لتنسيق الجهود الإقليمية ووقف تداعيات الحرب

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram