TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > صليب الاستقالة

صليب الاستقالة

نشر في: 12 فبراير, 2013: 08:00 م

لا أظن أن فكرة رفع "الصليب الخشبي" بوجه مصاصي الدماء، في أفلام الرعب، كانت محض  خيال. ما فهمته، ومنذ أيام المراهقة التي كنت فيها مغرما بمتابعة ذلك النوع من الأفلام، أن رفعه بوجه القتلة يخيفهم لأنه يرمز للتضحية المرتبطة بقصة المسيح الذي هو "الأب المضحي". وفعلا تحمل التضحية في أي مجال من مجالات الحياة قوة سحرية قد تحل مشاكل أمة بأكملها وتنقذها من الهلاك. ليس شرطا أن تكون تضحية بالنفس، كما فعل المسيح، بل بأي من المغريات والغرائز التي في مقدمتها غريزة التعلق بكرسي السلطة. ما من حاكم ضحى بكرسيه إلا وارتفع، وليس فيهم من تمسك به إلاّ وذل. وليت الأمر يقف عند الذل، بل غالبا ما يتعداه إلى صب البلاء والدمار على رأس البلاد والعباد. وفي صدام والقذافي وبشار عبرة لأولي الألباب.

لو أن مبارك تنحى عن كرسيه قبل عام من بدء الربيع العربي، أي منذ أن بدأ الشعب يتذمر من نيته توريث الحكم لولده، لما حصل ما يحصل بمصر اليوم. ولو أن بشار لم يخلف أباه، أو استقال في بدء رفض الشعب السوري لسلطانه، لما تحولت سوريا إلى خرائب تعط برائحة الموت والبارود. ولو أن صدام لملم أغراضه ورحل لقطع الطريق على الاحتلال الأمريكي وما جلبه لنا من مصائب ووجوه لا تجيد غير افتعال الويلات التي يسميها البعض أزمات، من باب التخفيف أو الحياء.

ورغم أن تونس تشهد اليوم اضطرابات وتظاهرات، بعد اغتيال شكري بالعيد، إلا أن أمام التوانسة فرصة واضحة للخلاص ،على عكس العراقيين الذي يتحكم المجهول بمصائرهم. فرصة يعود الفضل الأول فيها لرئيس وزرائهم الذي لوّح بصليب الاستقالة، بينما رئيس وزرائنا ينوي الالتصاق بكرسيه لولاية ثالثة لأنه، كما يبدو، بحاجة ماسة إلى أربعة أعوام أخرى ليشبع رغبته في الحكم. الاستقالة ضرب حضاري من ضروب التضحية لا يقدم عليها إلا ذو بخت عظيم.

ها هي تظاهرات العراق تثبت، بما لا يقبل الدحض، أن المالكي قد فشل في تصريف شؤون الدولة مثلما فشل حتى في تصريف المجاري. وها هم الآلاف يتم  تسريحهم من السجون وهم أبرياء باعتراف الحكومة، مع عجز واضح في كل مفاصل الحياة الخدمية والإنسانية. أضف لذلك أن العراق هو البلد الوحيد بالعالم الذي لا يمر عليه يوم واحد بدون حادثة قتل إرهابية، وحاكمه يقول إن الأمن مستتب وعلى الدول الأخرى أن تستفيد من تجربته في مكافحة الإرهاب! أليست هي هذه التي قال عنها أهلنا " كابله وبزّه بعينه".

إن  تهديد الجبالي بالاستقالة، ضاربا مصلحته الشخصية ومصلحة حزبه عرض الحائط من اجل أن تنهض تونس، ليس درسا مهما، حسب، بل صفحة أمل جديدة لمن ينشد الحياة. لقد رأى هذا المضحي أن الإسلاميين، وهو منهم، لا يصلحون لبناء دولة في العصر الحديث. لقد اهتدى للحل الذي سترى الناس به الشمس ومن دونه ستغرق في الظلام، فرفع صليبه بوجه دراكولات الفساد والاستبداد. فهل سيرفع المالكي صليب استقالته كي يتركنا لنعيش ؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. المدقق

    عندما كنت اشاهد الافلام المصرية التي يظهر فيها احد الممثلين الكوميديين وهو يجسد دور الطبيب النفساني كنت اضحك من كل قلبي لان هذا الطبيب يظهر بدور من يحتاج هو الى طبيب لكي يعالجه .. وعندما عرفت مؤخرا بان تخصصك العلمي هو علم النفس التربوي تذكرت ذلك الدكتور ا

  2. مجهول الهوية

    وحگ العباس يرفعنا للسماء وما يرفع صليب استقالته

يحدث الآن

طائرة مسيّرة تستهدف مطار الكويت الدولي وإصابات طفيفة بين العاملين

دوي انفجار كبير في دبي.. ورفع حالة الطوارئ الجوية

نجمٌ من الزمن الجميل ينطفئ.. ويظل مضيئاً!

عصائب أهل الحق تدين العدوان على إيران وتستنكر قصف جرف النصر

تحركات عراقية عاجلة لتنسيق الجهود الإقليمية ووقف تداعيات الحرب

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram