حين ارادت صديقتي شراء قطعة ارض سكنية لم تشتريها في بغداد، رغم انها تسكن فيها منذ عشرين عاما ويرتبط جميع افراد عائلتها باعمال يومية فيها سواء كانت حكومية ام اهلية ، وفضلت شراءها في محافظة الموصل حيث مسقط راسها، وحين سالتها عن س
حين ارادت صديقتي شراء قطعة ارض سكنية لم تشتريها في بغداد، رغم انها تسكن فيها منذ عشرين عاما ويرتبط جميع افراد عائلتها باعمال يومية فيها سواء كانت حكومية ام اهلية ، وفضلت شراءها في محافظة الموصل حيث مسقط راسها، وحين سالتها عن سبب ذلك، اكدت لي ان ما يحدث في البلد الان يسير نحو التقسيم.
وهذا يدفعنا للحديث عما سيؤول اليه مسار الاحداث في البلد خاصة بعد التظاهرات في المنطقة الغربية وامتدادها الى المحافظات الشمالية وهل سيتم احياء مشروع بايدن الذي طرحه ايام الاقتتال الطائفي او اقامة نظام فيدرالي فيها كما نص الدستور على ذلك وفي اكثر من مادة.
فالفيدرالية نظام سياسي لا مركزي تكون فيه سيادة الدولة مقسمة دستوريا بين الحكومة الاتحادية والوحدات المكونة لها، وهي اندماج طوعي بين عدة فئات داخل البلد الواحد بغض النظر عن الدين او القومية او المذهب او الايديولوجيا تجنبا لاحتكار السلطة وحماية كيان الدولة من الانقسام والتشرذم وهو يجمع بين الوحدة والتعددية ويعمل على استيعاب الهويات المميزة والحفاظ عليها.لتذوب الاهداف الشخصية والفئوية والعرقية في دولة المواطنة.
وقد تبنى موتمر المعارضة العراقية الذي اقيم في لندن عام 2002شعار بناء دولة فيدرالية بعد اسقاط النظام، وقد اعلن نائب الرئيس الاميركي جو يايدن عن مشروع لتقسيم العراق الى ثلاث اقليم في الوسط والجنوب والشمال عام 2007 ، لكنه جوبه برفض من قبل البيت الابيض لكونه سيسهم في خلق فوضى اقليمية جديدة.
ان تناحر الكتل السياسية والاضطرابات التي تشهدها العملية السياسية، وتناول طروحات التقسيم او الفيدرالية من قبل بعض السياسيين لاغراض الدعاية الاستهلاكية، احدثت انقساما بين ابناء الشعب وولدت فهما خاطئا للفيدرالية ، فغالبية ابناء الشعب لا يمتلكون موقفا واضحا تجاهها لعدم وضوح الرؤية لديهم، وهم يرون فيها تقسيم للارض وليس توزيع للصلاحيات، فيما يرفضها البعض الاخر بحجة عدم تساوي الثروات وهو فهم ضيق للفيدرالية التي تضمن صلاحيات واسعة وتوزيعا عادلا للثروات لكل محافظة وفقا لحجم سكانها.
وقد ارتفعت بعض الاصوات المطالبة بتشكيل اقاليم في عدة محافظات ، ومنها البصرة لضعف الخدمات فيها وتفشي البطالة والفقر، اعقبتها دعوات لمحافظات اخرى مثل صلاح الدين وديالى لكنها جوبهت برفض الحكومة المركزية بحجة عدم وجود تعداد عام للسكان ووجود خلافات حول الحدود الادارية لكل محافظة.
ولنفترض جدلا ان البلاد تم تقسيمها الى ثلاث دويلات على اسس قومية وطائفية اي دولة للشيعة واخرى للسنة وثالثة للكرد، فان نشوءها سيكون مصحوبا بصراعات لا تنتهي على الارض وترسيم الحدود الادارية وتوزيع الموارد الطبيعية فالمناطق الغربية فقيرة نسبيا من حيث الموادر الطبيعية مثل النفط والزراعة عكس الجنوب والشمال اما المنطقة الغربية فسوف تتحكم بالموارد المائية لنهري دجلة والفرات لتامين حصولها على دعم غذائي واقتصادي، وزيادة حجم التدخلات الاقليمية من قبل دول الجوار، فضلا عن ان البلاد ستشهد نزوح سكاني كبير وعمليات تطهير عرقي ومذهبي، وهذا يعني تمزيق وحدة البلاد وتفتيتها الى دويلات متحاربة، بدلا من زيادة التلاحم بين ابناء البلاد. وهذا هو بالضبط الفرق بين الفيدرالية و التقسيم
وعلى الرغم من ان الدستور نص في اكثر من مادة على تبني نظام تعددي فيدرالي، تكون السلطة فيه مقسمة بين الاقليم والمركز، الا ان ذلك لم يتحقق على ارض الواقع باسثناء اقليم كردستان بحكم استقلاله عن المركز قبل عقدين من الزمن وللخصوصية الديموغرافية التي تتمتع بها محافظات الاقليم ضمن حدوده الحالية. فضلا عن ان المواد الدستورية التي نصت على اقامة نظام فيدرالي حددت فيه صلاحيات الحكومة الاتحادية على حساب صلاحيات واسعة لحكومة الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة باقليم، اذ نصت احداها على منح صلاحيات واسعة للاقاليم تخولها فتح مكاتب في السفارات والبعثات الدبلوماسية وهو تقاطع حاد بين صلاحيات السلطتين من شانه ان يتسبب في نشوب اشكالات خطيرة في علاقة الاقليم بالمركز في حال تشكل اقاليم جديدة.
وهذا يعني ان النظام الفيدرالي الذي جاء به دستور عام 2005 وفر ارضية مناسبة لبناء دولة داخل دولة، الامر الذي يتطلب اجراء تعديلات جوهرية في اختصاصات مجالس المحافظات الواردة في الدستور والقوانين ذات العلاقة وبما يزيل التداخل الحاصل بين اختصاصها واختصاص الحكومة المركزية ، للوصول الى صيغة مناسبة لانشاء اقاليم فيدرالية وفقا للدستور والقانون وتحقيق التوازن بين الاقليم والمركز، بما يعزز من وحدة العراق وامنه. اما الفتوى التي اطلقها رجل الدين الشيخ عبد الملك السعدي بتحريم تشكيل الاقاليم، فلسنا بصدد الحكم عليها لكن السواد الاعظم من المواطنين – وانا منهم - لا يريدون ان يعيشوا اليوم في ظل دولة مركزية متشددة كما كانوا في زمن النظام البائد ولا يقبلون في الوقت نفسه تمزيق البلاد الى حكومات صغيرة تقحم ابناء الشعب في صراعات لاتبقي ولا تذر.










