وميض إحسانليس مهماً معرفة من هو "حميد الجبالي" رئيس الحكومة التونسية، وليس ضرورياً النبش، ولربما التبجح، بتأريخه السياسي، وفيما إذا كان إخوانياً، أو علمانياً، أو يسارياً، أو حتى رجعياً.. ذلك أن الماضي لا يمنح التميز إلا بمقدار، أو بنوع، الفعل المنجز
وميض إحسان
ليس مهماً معرفة من هو "حميد الجبالي" رئيس الحكومة التونسية، وليس ضرورياً النبش، ولربما التبجح، بتأريخه السياسي، وفيما إذا كان إخوانياً، أو علمانياً، أو يسارياً، أو حتى رجعياً.. ذلك أن الماضي لا يمنح التميز إلا بمقدار، أو بنوع، الفعل المنجز في الحاضر.
لعلنا بحاجة إلى معرفة كيف يتحرك ضمير السياسي عندما يكون مسؤولاً عن بلد، والطريقة التي يتصرف بها حين تخيم في سمائه غيوم تنذر بالكره والعداء تهدد حياة الناس.
لقد كان مفاجئاً أن يتصرف سياسي عربي بالطريقة التي كشف عنها " حميد الجبالي" رئيس الوزراء التونسي، والأمين العام لحزب النهضة الإسلامي الحاكم، بسبب الأزمة التي خلقتها حادثة اغتيال الناشط التونسي المعارض "شكري بلعيد" على يد جماعة دينية متطرفة تدين بالولاء لحزب النهضة الحاكم في تونس.
لعل من حق كل العراقيين أن لا يخطر على بالهم، أن الهزة السياسية، التي ضربت الدولة والحكومة والشعب في تونس، سببها هذا الحدث المعتاد في عراقنا الجديد ومجتمعاتنا العربية بشكل عام.
لا أظن أن هناك من هو قادر على الادعاء انه كان يتوقع من الرجل وقوفه أمام الشعب التونسي والعالم ليقول بصريح العبارة، ودون مواربة، أو محاباة، أن حزب النهضة الحاكم يتحمل المسؤولية الأكبر في عملية الاغتيال وكل ما يجري في تونس، وانه شخصياً في مقدمة من يتحملون مسؤولية ما جرى.
لم ينسب الجبالي عملية الاغتيال إلى قوى الإرهاب العالمي، أو لفلول حزب الرئيس السابق "بن علي"، ولم يتعكز في تبرير الاضطراب السياسي الذي يعيشه البلد على وجود أجندات خارجية تريد تدمير العملية السياسية في تونس، ولم يقل أن بعض السياسيين التونسيين مرتبطون بدول الجوار.
لقد كان حديثه أمام وسائل الإعلام صريحاً، وواضحاً، يعكس حقيقة أن كل ما يجري في تونس من صنع التونسيين أنفسهم، والمسؤولية يتحملها الجميع، وأن المأزق الحقيقي في تونس ليس مأزق الحكم، لكنه مأزق الأحزاب لسياسية.
وعلى الرغم من أن الجبالي يكاد يكون الرجل الأول في حزب النهضة، أو على الأقل من أصحاب المواقع المتقدمة، لكنه ترفع عن استغلال موارد الحكومة لفرض رؤيته على الحزب، وتنزه عن التمسك بالسلطة، وتقدم بمبادرة إلى رئيس الدولة لتشكيل حكومة جديدة يكون أعضاؤها من التكنوقراط المستقلين، من اجل بناء تونس ووضعها على سكة القطار المؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية لكل التونسيين، وإخراجها من المأزق الخطر، حسب وصفه، الذي يتهدد الدولة والشعب على حد سواء، وتأكيده على تقديمه استقالة، لم يطالبه بها احد، إذا رفض رئيس الدولة مبادرته، من منطلق " أننا لا يجب أن نقف مكتوفي الأيدي لحين سقوط البلاد في العنف والفوضى" حسب تعبيره.
والملفت للنظر في مبادرته الشرط الذي ينبغي أن يتوقف عنده الكثيرون! المتمثل بالدعوة إلى اعتماد مبدأ الكفاءة المهنية في تشكيل الحكومة الجديدة، القاضي بالتخلص من المحاصصة الحزبية، وضرورة أن يكون وزراء الحكومة القادمة مستقلين ومن خارج حزب النهضة! وأن لا يترشح هو أو أي من الوزراء الجدد في الانتخابات القادمة.
لا أستطيع أن أنظر إلى موقف "الجبالي" في تونس إلا بأنه مفارقة تأريخية نادراً ما تحدث في تأريخنا العربي، وهي تذكرنا بموقف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حين قرر التنحي عن الحكم بعد هزيمة العرب في الحرب أمام إسرائيل عام 1967 محملاً نفسه المسؤولية كاملة، وبالرئيس السوداني الموقت "سوار الذهب"، الذي هو من قرر أن يكون موقتاً، حين قام بانقلابه على نظام النميري، وأعلن منذ اليوم الأول انه يمنح الأحزاب السياسية في السودان مهلة سنة واحدة لتنظيم نفسها لإجراء انتخابات شعبية، وانه سيترك حكم البلاد لهم.
وقد تم ذلك بالفعل.
لقد كان "شكري بلعيد" من أشد الناشطين السياسيين المعارضين لتوجهات حزب النهضة ولسياسة رئيس الوزراء، وكان صوته من أعلى الأصوات المطالبة بتصحيح مسار الثورة التونسية، لكن ذلك لم يكن داعياً لحكومة الجبالي لتصفيته، أو حتى لمضايقته واعتقاله.
ثمة سؤال يطوف في الأذهان.. بماذا يختلف "كامل شياع" أو "هادي المهدي" وغيرهما في العراق عن "شكري بلعيد" في تونس؟










