TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > أحمــد القبانجي ..ثورة فـي الثورة

أحمــد القبانجي ..ثورة فـي الثورة

نشر في: 20 فبراير, 2013: 08:00 م

في العام 1979 انطلقت جمهورية إسلامية، إثر ثورة قام بها رجال الدين بتأييد ساحق من الناس، فنشأ نظام ثيوقراطي هو الأول من نوعه في العالم الحديث، حمل "آية الله الخميني" من منفاه في باريس إلى سدة الحكم في طهران. كان هذا (الحدث/المعجزة) يمثل في نظر "أحمد ا

في العام 1979 انطلقت جمهورية إسلامية، إثر ثورة قام بها رجال الدين بتأييد ساحق من الناس، فنشأ نظام ثيوقراطي هو الأول من نوعه في العالم الحديث، حمل "آية الله الخميني" من منفاه في باريس إلى سدة الحكم في طهران.
كان هذا (الحدث/المعجزة) يمثل في نظر "أحمد القبانجي" الجنة الموعودة، أو "حلم الأنبياء" كما وصفها محمد باقر الصدر، بل إن الجمهورية الفاضلة من أفلاطون وحكم الملك الفيلسوف بقيت  سجينة  في الكتب  قبل أن تتجسد في الواقع في جمهورية الخميني الإسلامية وحكم الولي الفقيه.

وشهدت بداية الثورة بروز "أبو الحسن بني صدر"، أول رئيس جمهورية للثورة الإسلامية، وهو رجل كانت له طموحات ليبرالية ناقضت توجهات الخميني الذي جاء به أصلا إلى السلطة، لذا عزله الخميني  وأقصاه عن الحكم. في تلك الأيام، كان القبانجي يسير مع حسين الخميني المؤيد لاتجاه بني صدر الليبرالي، فقال حسين في نوبة غضب من موقف جده " لقد انحرف جدي عن الإسلام"، صدمت هذه العبارة  القبانجي المسحور بصانع معجزة الثورة، فدافع عن نسخة الخميني الإسلامية  بقوله " إن  كل ما درسناه في الحوزة  عن الإسلام يمثله  الخميني : بكلماته وأفعاله وزهده، فإذا كان خاطئا، فبالضرورة يكون الإسلام الذي درسناه على خطأ أيضا".
بعد  مرور 14 عاما على تلك المواجهة، فاز "محمد خاتمي" بالانتخابات، ليصبح رئيسا خامسا للجمهورية، بتطلعات ليبرالية تشبه تطلعات بني صدر، وسرعان ما وقف  المحافظون بوجه إصلاحاته وأحبطوا سعي مخططاته، فبدأت الشكوك تراود القبانجي حول أي مدرسة ينتمي، فقد كان الإسلام السياسي الذي اعتقد به ردحا من الزمن، يظلم تجربة خاتمي التي بدأ يرى فيها خير تجسيد للإسلام الذي يؤمن به. منذ تلك اللحظة أصبح كل شيء واضحا في نظره، فقد كان على الجانب الآخر من المحافظين، ولم يعد في شك من أنه أصبح إصلاحيا، وبكلمة أخرى "ليبراليا".
ابن النجف المتمرّد
ولد أحمد القبانجي العام 1958 في النجف الأشرف، من عائلة دينية معروفة، ودخل في الحوزة العلمية (فاتيكان الشيعة) في وقت مبكر، وبعد إعدام نظام البعث لأخيه "عز الدين" وخاله "عماد التبريزي" في عهد الرئيس احمد حسن البكر، حرم والده من اعتلاء المنبر الذي كان متنفسا لعرض أفكاره الجريئة.
بعد أشهر من اندلاع الثورة جرت حملة اعتقالات لمناصري الثورة في العراق (منهم القبانجي)، الأمر الذي دفعهم للهرب، فكانت محطته الأولى سوريا ومن ثم إلى لبنان، قبل أن تلوح بوادر انتصار الثورة،  فينتقل إلى إيران. ولأنه كان قريبا من منزل الخميني في النجف، وتجمعه صداقة بحفيده "حسين الخميني" ، ظل قريبا من مكتب الإمام الخميني، ومع إجراء الانتخابات الأولى في الجمهورية الإسلامية ومجيء بني صدر، أصبح القبانجي مسؤولا عن متابعة شؤون العراقيين.
بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية 1980 وانتهاج الحكومة الإسلامية سياسة تصدير الثورة  انساق القبانجي مع هذه الفكرة. فوجد نفسه منخرطا في الحرب ضمن الباسيج "قوات التعبئة الإيرانية" وهي قوات تضم خليطا من الإيرانيين والأفغان والعراقيين وغيرهم من المتحمسين للثورة.
وداعاً للمحارب
شارك القبانجي في المعارك الأولى التي اندلعت في مدينة يسميها سكانها الأصليون من العرب "المحمرة" في حين يطلق عليها الإيرانيون اسم "خورامشهر" أي المدينة الخضراء، وبعد اشتداد المعارك الطاحنة، أصبح الإيرانيون يطلقون عليها اسم "خونين شهر" أي المدينة الدامية، فأصيب في قدمه، ولكن ذلك لم يمنعه من العودة إلى ساحة القتال بعد شفائه، فقضى السنوات اللاحقة في القتال في منطقة الأهوار،  إذ كان من مهامه الاتصال بسكان الأهوار، وفي معركة الفاو الشهيرة  انتدبوه للاتصال بالأسرى، وكانت هذه محطته الأخيرة في الحرب، إذ أصيب للمرة الثانية وعلى نحو سيبعده عن ساحة القتال نهائيا، فألقى السلاح وأمسك الكتاب.
 كان هذا تحديا مختلفا،  فما  أن انتهت حرب الواقع حتى  أعلنت  حرب أخرى داخل العقل، فقد أطلقت عودته من ساحة القتال صراعا آخر مع معتقداته وقناعاته وفهمه للثورة، وتشرح تلك السنوات كثيرا من النقمة التي تنطوي عليها سايكولوجيته، وربما أسباب تمرده اللاحقة.
إن إصابته في الحرب التي ما يزال يحملها وتشكل علامة على مفارقات ذلك الزمن، وتناقضات من أعلن حربا على جزء من نفسه تكشف كثيرا من تحولاته، وهي تحولات بدأها بثورة أعلنها على محاربة نقص معرفي أو لنقل عداء معرفة ضد أخرى، فقد بعثت الثورة بدعوى الخصوصية الثقافية عداءً  للعلوم الحديثة "الغربية"كمصدر للمعرفة، استنكره القبانجي بعد قراءات في علم الاجتماع وعلم النفس، فوجد منظومة معرفية لا يمكن الاستغناء عنها، وإزاء المصدر الوحيد للمعرفة :  القرآن والسنة النبوية (لدى السنة) وروايات أهل البيت ( لدى الشيعة)، انفتحت له أبواب معرفة  لا نهائية، لا يمكن حصرها بمصادر محددة، من دونها لا يمكن الانفتاح النقدي على التراث بوسائل المعرفة الحديثة لجعل الإسلام مواكبا للتصورات المعاصرة. لكن مثل هذه الخطوة تتطلب شجاعة كبيرة للاعتراف، بأن مصادر المعرفة الإسلامية محدودة وغير كافية.
صراع على روح ثورة
لم يكن ذلك منعزلا عن سيرورة الثورة، إذ على خلفية المشهد راقب بذهول تصاعد الصراع على روح الثورة وما تمثله من قيم، فانقسم رجال الدين في سعيهم للسلطة إلى تيارين : محافظ ومعتدل، وتعددت تسميات الفريقين، فأطلق على التيار الإصلاحي تسميات : اليسار الراديكالي، الجناح الليبرالي التقدمي وذلك في مقابل التيار المحافظ الذي أطلق عليه تسميات: اليمين التقليدي، أو اليمين الديني، أو اليمين المحافظ  أو  الرجعي.
ويمكن وصف الصراع القائم بين التيارين على انه صراع بين ما هو قائم "المحافظون" وما ينبغي أن يكون"الاصطلاحيون"، وبعبارة أخرى هو صراع بين قراءتين  للدين : الأولى  تراثية والثانية إصلاحية، لا سيما مع إطلاق الإصلاحيين حركة تصحيحية  لأفكار الثورة عدها المحافظون مروقا.
يقول القبانجي "ما زلت مع جوهر الثورة وحلمها، لكن الجمهورية الإسلامية فشلت في تحقيق حلم الثورة ورسالتها، وهي تقدم الآن إسلاما فارغ المحتوى، فهي لم تحدث تغييرا في روح الإنسان بل انساقت مع قشور وركزت على القضايا الشكلية مثل الحجاب، اللحى، منع الخمور، أما جوهر الإنسان فقد انسحق في خضم الصراع على السلطة وتنامي الاستبداد".
لقد كانت الثورة منذ انطلاقتها الأولى تحمل في رحمها أفكارا متنوعة ومتعارضة، لكن الحرب مع العراق (1980-1988) أخرت إطلاق قوى الثورة المكبوتة وتناقضاتها، وبعد انتهاء الحرب سرعان ما ظهرت قراءات متعددة للثورة، فانتقل الصراع من ساحات القتال إلى الصراع على تفسير النص القرآني، و تفسير الدستور، والفقه، وصلاحيات الحكومة، بل على  كل شيء آخر.  
وكشف هذا الصراع انقسام المجتمع الإيراني بين قوى أهلية ورسمية، المجتمع المدني  في مقابل الحوزة وأصحاب العمائم، المحافظون يمسكون بمفاصل القوى في الدولة الإسلامية ومؤسساتها، والاصطلاحيون يسيطرون على المثقفين والجامعات والشارع، ولكن كان لدى المحافظين مفتاح النظام مع سيطرتهم على  المؤسسة الدينية، وهي صاحبة السلطة الحقيقية والفعلية في الجمهورية الإسلامية. ولهذا نجحوا في منع  "خاتمي" من ممارسة إصلاحاته .
ووسط هذا الصراع الدامي (كان ثمنه اغتيال الكثير من المثقفين الإيرانيين) تقلّب هوى الجماهير بين الحلم والواقع، وبين الدولة والثورة، والإيمان والعقيدة، واليقين والشك، والانعزال والانفتاح، والتراث والحداثة، وبين من يخدعون الجماهير بوهم اليقين ومن يبيعون حلم التغيير،  ومن يؤيدون حرية الفرد بلا قيود ومن يدافعون عن مصلحة الجماعة إلى حد سحق الفرد ورغباته.
نسخته من الثورة
لقد أصبحت الثورة في نظر القبانجي تعني تحولا في التفكير وأنماطه، والانفتاح على المعرفة، فلا معنى للثورة، في نظره إذا ما تم استبدال الشاه برجل دين معمم، فكأننا والحال هذه قد استبدلنا استبدادا بآخر، يقول "الحكومة الدينية ليست هي الحكومة المثالية، كما كان قادة الإسلام السياسي يتصورون، وأنها تحقق جنة الأرض وتحول الناس إلى ملائكة بحيث لا نعود بحاجة إلى الشرطة، هذا تصور يوتوبي، بل هي مثل مثيلاتها من الحكومات الأخرى بكل ما تنطوي عليه من نقائص ومظاهر ضعف و فساد"
الحكومات في نظر القبانجي ثلاثة : حكومة رجال الدين مثل إيران، و حكومة الشريعة أي الحكومة التي تقوم بتطبيق الشريعة كما في السعودية، والحكومة الإسلامية على النمط الليبرالي. ويعني  القبانجي بها : الأخذ بجوهر الإسلام بوصفه إيمانا من الناحية الدينية وتبني الليبرالية من الناحية السياسية، وهذا ما يقصده بالإسلام الليبرالي !
لقد رأى فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ" أن الدولة الليبرالية هي التطور العقائدي الأخير للجنس البشري، والتاريخ لدى القبانجي انتهى أيضا بانتصارهذه الدولة وما تمثله من قيم، إذ يقول "لقد أصبحت قريبا من الفكر الليبرالي الغربي، ولا أراه معاديا للإسلام بل هو جوهر الإسلام، الدولة الديمقراطية الغربية هي دولة القيم التي أرادها الله للإنسان".
وبذلك يعود القبانجي إلى تجربة رائد الإصلاح الديني الشيخ "محمد عبده" الذي زار أوروبا في بداية القرن العشرين فأطلق عبارته الشهيرة "ذهبت إلى أوروبا، فوجدت الإسلام ولم أجد المسلمين، وعدت إلى هنا فوجدت المسلمين ولكن لم أجد الإسلام"
يستهدف الإسلام الليبرالي كتيار فكري، إصلاح الفكر الديني، ويدعو لـ"علمنة الدين"، ليس بمعنى فصل الدين عن السياسية، بل فصل الدين عن رجال الدين وعن الدولة،  فالقبانجي يرفض أن يكون هناك قيمون على النص الديني، فلابأس بالاحتكام إلى المبادئ الأخلاقية، ولكن ليس إلى حد تولية رجال الدين أمور الحكم السياسي.، ويضيف "لا يمكن لأي مخلص للحقيقة أن يختزل جهده في قراءة واحدة، فهذا نتيجة الجهل والجمود الفكري، الفكر المتحرك لابد أن يكون إصلاحيا"  .
يحدد القبانجي أزمة العالم الإسلامي في قضيتين هما: الخلافة "الحكومة" وحقوق المرأة، لذا أصدر كتابين يعالج فيهما هاتين القضيتين، ففي كتابه "خلافة الإمام علي" الذي صدر في إيران 2003  ذهب إلى أن الخلافة شأن سياسي وليست شأنا دينيا، بالتالي لا ضرورة للانقسام بشأنها على نحو ما حدث في تاريخ الإسلام، حيث رأى الشيعة أن الحاكم يجب أن يكون من سلالة الرسول (بالتالي يكون الإمام علي أحق بالحكم) ،في حين رأى السنة أنه من عامة الناس وحسب اختيار الناس (بالتالي كان اختيار أبو بكر لخلافة الرسول صائبا)، فالخلاف التاريخي يمكن حله إذا ما فصلنا الشأن الديني عن السياسي (فصل الدين عن السياسة)، ننظر إلى الإمام علي على أنه خليفة النبي في الشأن الديني، وأبي بكر خليفته في الشأن السياسي.
من هنا كان كلا الطرفين على حق، (الحق  لعلي  مثلما هو لأبي بكر)، وبكلمة أخرى رأى الشيعة الإمامة الدينية والزعامة السياسية واحدة وهي من حق علي، والسنة يقولون إن الحكومة الدينية والسياسية لأبي بكر، والحل لدى القبانجي بالفصل بينهما : الزعامة الدينية لعلي والسياسية لأبي بكر.
تحديث الفكر الديني
وفي كتابه عن المرأة يثبت بالأدلة الشرعية، بما فيها أدلة من القرآن، مساواة الرجل بالمرأة، وهو ما لا يقبله رجال الدين المحافظون في جميع الأحوال، ففي الميراث مثلا تبلغ حصة الرجل ضعف حصة المرأة (للذكر مثل حظ الأنثيين)
جاء رد الفعل عنيفا ضد كتابيه، من وسطه العائلي الديني المحافظ  الذي نبذه، ومن حوزة قم، مثلما من  الحكومة  حيث سحب كتاباه من السوق بعد حصول ضغوط  على وزارة الإرشاد الإيرانية لسحبه من الأسواق، فاضطر إلى طبع كتابه "الإسلام المدني" بدون إجازة رسمية، وهو كتاب وضع فيه " الإسلام الليبرالي" في مقابل الإسلام السياسي "أي إسلام الأحزاب السياسي بما فيه إسلام الخميني" وفي مقابل الإسلام التقليدي الذي تمثله الحوزة ورجال الدين المحافظون، فالإسلام المدني هو الإسلام المتوافق مع المجتمع المدني، وبذلك يصبح المجتمع المدني هو الأصل الذي ينبغي على الدين التوافق معه، وليس العكس كما يدعو رجال الدين التقليديون.
وفي كتابه الموسوم "تهذيب أحاديث الشيعة" عالج الخرافات المنتشرة في أصول كتب الشيعة، وهي تعامل كمقدس على الرغم من تهافتها، فأثار غضب المؤسسة الدينية، لأنه - كما يقول- فضح مزاعم رجال الدين الذين يؤسسون سلطتهم على مثل هذه الخرافات.
وفي كتابه "المعجزة القرآنية" أثبت بطلان جميع وجوه الإعجاز القرآني الموجودة في التفاسير وكتب المسلمين التقليدية، مثل الإعجاز البلاغي والإعجاز العلمي، كما أن كثيرا من الاختلافات والتناقضات في النص القرآني ذاته، تبطل الوجه الإعجازي للقرآن، وبدون التأويل يصبح القرآن أكثر الكتب تناقضا، وهو في طروحاته الجريئة هذا لا يعد نفسه ناقدا للإسلام الذي يعتقد به بل ناقدا للمؤسسة الدينية وقراءتها التراثية للدين، فالإسلام العقلاني يتعايش مع النقد، في حين ينتصب الفقه التقليدي مثل بيت من زجاج ينكسر بمجرد إلقاء حجارة النقد عليه.
وعلى الرغم من تأليفه  سلسلة كتب تتألف من 22 كتابا لتوضيح أفكاره وإعادة قراءة الإسلام، أحس بأن التأليف غير كاف، لا سيما أن عددا من المفكرين الإصلاحيين قد سبقوه في مناقشة الكثير من القضايا، لذا قام بترجمة أهم أعمال المفكر الإصلاحي "عبد الكريم سروش" إلى العربية، وساهم بذلك بتعريف القراء العرب بفكر إصلاحي منفتح على العلوم الغربية.
لقد وجد القبانجي رسالته في  تحديث الفكر الديني لينسجم مع متطلبات الحياة المعاصرة، ومحاربة الاستبداد، حيث يقول "الدين لا يكون مستبدا ،ولكن الحكومات الدينية مستبدة، إن الدين حين يتحول إلى دين حكومة، يتبنى  قراءة رسمية واحدة وينفي القراءات الأخرى، ومن هنا منشأ الاستبداد والانغلاق الفكري".
كما  حفزه الانغلاق المعرفي الديني على منجزات الحداثة، إلى نقد الإسلام التراثي، أو كما يسميه الإسلام الماضوي المتحنط على عتبة التراث، وهو يعتقد انه ما يزال في بداية  طريق إصلاحي طويل، أو على حد تعبيره " لن تكون هناك من نهضة إصلاحية، دون نقد التراث وغربلته، وأن نسترشد ونقتبس ما نحتاجه من علوم الغرب".
مفارقة الشيطان الأكبر
 ظل القبانجي مصاباً بالإحباط واليأس من إسقاط نظام صدام الفاشي، قبل أن تتحرك عجلة أميركا الحربية في العام 2003 لتحقق ما كان حلما بالنسبة له، وهذه مفارقة مثيرة، إذ حققت أميركا (الشيطان الأكبر كما  كان يسميها الخميني)  أحد أهداف الثورة، وما عجز عنه أبناؤها، يقول القبانجي " لقد  حقق الأميركيون ما عجز عنه الخميني بكاريزميته العظيمة، وما عجزت عن تحقيقه حرب الثماني سنوات وانتفاضة العراقيين في 1991، فقد  جاء التدخل الأميركي  ليعيد  الأمل بتحول أفضل".
والمفارقة الأخرى أن العراق الفاشي الذي هرب منه القبانجي 1978 مرتميا بأحضان ثورة وعدت بحلم التغيير، عاد إليه 2009 هربا من دولة الثورة التي سيطر عليها رجال الدين، وليجد في بلده هامشا من الحرية  لا يتوفر في مكان أخر، لذا سرعان ما قام  بتحويل فكرته عن الإسلام الليبرالي إلى تيار سياسي هو تيار الإسلام الليبرالي،  الذي ضم عددا من أساتذة الجامعات ورجال الدين الإصلاحيين في حوزتي قم والنجف، ولكن ما لم يحلم به القبانجي هو أن يكون له مريدون بهذا العدد من شباب الجيل الجديد، شباب ساحة التحرير وجنون فبراير، على نحو يحسده فيه أي مفكر ليبرالي .
لم يقتصر أعداء القبانجي على الإسلاميين المحافظين  بل كانوا ليبراليين متعالين ويساريين حانقين يستخفون به، كان بالنسبة لهم مفككا ومتهافتا وفوضويا متمردا على كل منظمة متسقة من التفكير، كما يتهمه  بعض العلمانيين بأنه سرق جمهورهم  ومن ثم  فإنه (كرجل دين) فشل في أن يكون مؤثرا في وسطه التقليدي، في حين يرى الإسلاميون أنه خرج عن تقاليدهم، واستخفوا به على نحو مماثل وهم يفكرون في أستاذه الأكاديمي "سروش" الذي كان يلقي محاضراته في الحسينيات ولا يسمح لأحد بالتشكيك في كونه مسلما طقوسيا، في حين فتح القبانجي التأويلات لكي تتسع على خرافات وأساطير حول شخصيته حوّلته إلى كازانوفا شيعي  أو ( أبو نؤاس) حوزوي.
الإسلاميون والعلمانيون كلاهما كانوا عمياً عن عالم مفتوح على جميع الاحتمالات. إذ كانوا  يتغافلون عن أن الرجل أصبح أشبه بـ"ظاهرة" لها صلة برجل الشارع  الذي يريد أن لا يسمع مواعظ مدرسية ميتة بل يشبع فضوله  رجل معمم يتحدث في ثوابت الإسلام بلغة صادمة،   ليست عصية على فهم الناس وتحرك مشاعرهم المتمردة.
الذي لم يفهمه هؤلاء أن  هذا الرجل  أصبح  آخر صيحة  في العالم الافتراضي، عالم خرافي تُطاطئ الثورة فيه رأسها لجنود فيس بوك وتحتشد فيه الجماهير في ساحة تويتر ،حيث تنتصب أمة جديدة "أمة رقمية" تبحث عن أنبياء جدد ورسالات تغيير في عالم يتحول كل ما هو صلب فيه إلى أثير.
لقد خرج القبانجي بإسلام المؤسسة الدينية وعاد بإسلام آخر مضاد لفكر المؤسسة الدينية، وهرب من حكم ثورة البعث العلمانية إلى  بلاد ثورة الخميني الإسلامية، فرجع بثورته الخاصة، المحمّلة، مثل جميع الثورات، بوعود وأحلام التغيير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 6

  1. اياد عاشور

    بعيدا عن السجال حول الدين والثورة الايرانية والقبانجي، هذا الموضوع فيه مغالطات فظيعة تنسفه من الاساس. لا اعرف الكاتب، لكن اسفي على صحيفة المدى التي باتت تنشر كل شيء وهي لاتحتاج الى خالف تعرف. معلوم ان الثورة في ايران انتصرت في 22/11/1357 هجري شمسي اي

  2. شاكر الغزي

    مقال جميل وممتع ومهم جداً ولكنك قلت:يستهدف الإسلام الليبرالي كتيار فكري، إصلاح الفكر الديني، ويدعو لـ علمنة الدين ، ليس بمعنى فصل الدين عن السياسية، بل فصل الدين عن رجال الدين وعن الدولة. وهذا الفصل رائع جداً الغريب بعد سبعة أسطر عدت لتقول: فالخلاف التاري

  3. ابو كرار الحسيني

    بغض النظر عن صحة المعلومات على العموم نحن بحاجة الى النور بعدطول هذه الضلمه

  4. ثائر الحسيني

    ان المقال يحتاج الى مراجعه ويحتاج الى شخص متعمق في المذهب الشيعي والدراسة الحوزوية ليدرك من هو الاعلم المرجع ام الطالب في الحوزرة من خلال المقال تبين السيد القبابجي معترض على جميع الحوزات والمراجع.

  5. عادل

    لا يستحق الرد فكل المقال متناقض والرجل اتخذ دينا جديدا ومذهبا جديدا مازاد حنون في الإسلام خردلة. ولا النصارى لهم شغل بحنون

  6. عزيز الخزرجي

    كاتب هذا المقال ينقضه الدراية الفكرية بأبعاد آلثورة الأسلامية و موقعها اليوم في العالم! كما أن هناك مقاطع تأريخية عديدة أشار لها الكاتب خطاً أإما بسبب جهله أو تجاهله, هذا بآلأضافة إلى حالة تصغير الكبائر و تكبير الصغائر الذي عمد الكاتب على إظهاره, فموقع ول

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram