TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > جماجم وسواتر لجنرالات "حيدر دبل"

جماجم وسواتر لجنرالات "حيدر دبل"

نشر في: 20 فبراير, 2013: 08:00 م

تعالوا لنحدّق معاً في شقّ أنتج "صورة مقطعية" داخل مقبرة من 3 طوابق يرقد فيها الموتى منذ عصر الخليفة المستظهر. وفي قحف جمجمة يستجمع أفراح التأريخ وعويله، وبوابة عباسية يجهلها "جنرالات حيدر دبل". وفي أعلى البوابة سأتوقف معكم عند فتحات عسكرية استخدمها ضباط الماضي للتحديق في وجه كل الغزاة.

الزملاء في "المدى" يحلمون بمبادرة تتعاون مع أمانة بغداد لـ"إنقاذ" الأماكن التأريخية والثقافية. وحين انتابتني "غيرة" من الأصدقاء غادة العاملي وعلي حسين، رحت أتسابق معهم للوصول إلى "الباب الوسطاني" فوجدت نفسي تائها بين مقابر السيارات ومرائب المعدات الثقيلة وبائعي الأثاث المستعمل تحت مجسّرات طريق محمد القاسم السريع.

انه باب عباسي هائل أراه كل يوم من فوق الطريق السريع، لكنني حين نزلت في تقاطع مرآب النهضة تهت، بسبب شرطي وجندي وموظف بلدية. سألت الأول والثاني عن الطريق الى الباب الوسطاني ففاجأوني بجهلهم، أما الثالث فقادني نحو وجهة خاطئة داخل مقابر السيارات في قلب بغداد التأريخي.

بلادنا بلا أي ترقيم حديث ولا قديم. ولا أحد يعرف الباب الوسطاني، حتى سيطرة الجيش المعنية بالاستخبارات. أفكر للحظة إن الجهل بخارطة التأريخ في قلب العاصمة، في وسعه أن يتحول الى خرق أمني يتكرر منذ ألف سنة. معظم السيطرات تجهل جغرافياً قواطع مسؤولياتها التأريخية وغير التأريخية. الجيش إذن وبنقص المعرفة، يسهل خداعه من بضعة شباب أذكياء وأشرار يعرفون عنوان الباب الوسطاني! هل علي استجواب سلطاننا إذن؟

حين وصلت بعد لأي الى المكان اكتشفت أن الجهل ببوابة التأريخ هذه، بلاء عام. فحتى سائق البلدوزر الذي كان يقوم بتسوية الأرض في مدخل الباب الوسطاني، لم يكن يعرف الباب الوسطاني! وهو أمر ظل مدعاة لمفاجأة مؤلمة ودالة لدى الأصدقاء علي حسين وغادة العاملي التي تولت تنظيم الجولة وتنقلت بنا بين تأريخ الأسى وجغرافيا مجدنا البائد.

في أي قرن داخل زمننا العراقي نحن؟ وقد سألت 100 عراقي عن المكان وأنا ألهث من الدوران، فجهلوه ورمقوني شزراً واستغراباً. شرطي مرور تقاطع النهضة لم يسمع بالباب الوسطاني برغم انه على يساره مباشرة. والأخطر منه ضابط نقطة التفتيش التي تحمي المنطقة من دون أن تعرف أن فيها أبرز أثر عباسي شيّده باتقان ضباط إمبراطوريتنا البائدة أثناء التخطيط لحماية بغداد قبل ألف عام.

وهل يقف جهل الجغرافيا وعجزها عند حد؟ الأصدقاء يختصرون لي تيهنا وجهلنا داخل عبارة واحدة: حين تحل ضيفاً على كبار مسؤولي الدولة وتريد دخول المنطقة الخضراء، يطلب منك مكتب المالكي أو النجيفي، أن تنتظر المرافقين الرسميين أمام مطعم أكلات سريعة اسمه "حيدر دبل" يقع مقابل بوابات الحكومة التي لا تمتلك طريقة لاستقبالك منذ 10 أعوام سوى الاستعانة بنقطة شعبية دالة هي "فلافل حيدر دبل".

إنني "خبير" منذ طفولتي بالمراصد العسكرية والسواتر أو "الأسوار المنيعة" المزعومة. على أطراف مدينتي وحين انتهت واحدة من الحروب، ترك الجند خنادقهم ورحلوا، وصرنا نحن الفتيان نتسكع على الساتر ونحدّق عبر فتحات الخندق في فراغ كبير يطل على الحدود. ونسمع قرب ساعة الغروب عويل الأرواح الزاهقة والعالقة في ألف سؤال جاءت به أغبى صراعات القرن العشرين.

وفي أعلى البوابة التأريخية ببغداد أستعيد ثانية تجربة النظر عبر المرصد العسكري. فهناك 100 فتحة كان ضباط الباب الوسطاني يحدقون عبرها في وجوه كل الغزاة الواقفين خارج الأسوار المنيعة. حاولت أن أقوم بمحاكاة ضابط عباسي أو عثماني ورحت أنظر عبر هذه "الحجابات" أو المراصد العتيقة وسط بغداد، لأرى منازل "حواسم" يقطنها الفقراء، ومخازن فارغة لوزارات عاطلة عن العمل، وصورة ليوم قيامة عراقي محاط بخراب مهول. أنتقل الى الفتحة المجاورة وأستعين بالملاحم كي أسمع صوت ألف منجنيق ظل يعمل هنا لهدم أسوارنا عبر الزمن. ترتسم أمامي خارج السور المنيع صور آلاف الجند القادمين من كل مكان لتعريتنا. وأطرح سؤال الطفولة نفسه عن الغزو القادم أو النكسة المقبلة لبغداد وهي عالقة في عوالم حكومات تدخل كل يوم مرحلة جديدة من اللامنطق واللاسياسة.

حول الباب الوسطاني، صرنا نحدق في جماجم موتى هدمت أضرحتهم حين شق صدام حسين الخط السريع مخترقا اكبر مقابر بغداد العتيقة، ثم جاءت أمطار هذه السنة لتنبش جماجم قد تعود لقضاة ومماليك وشاعرات أو أمهات زعماء وفقهاء وجند وولاة صالحين وفاسدين.

أتأمل مع الأصدقاء عبر شق أنتج "صورة مقطعية" لمقبرة من ثلاثة طوابق يرقد فيها الموتى منذ عصر المستظهر. هذا قحف واحدة من الجماجم تعرض الى نبش وتعرية، وهو يشجعنا على تخيل أفراح الأيام وعويل التأريخ وقد سجلا داخل هذا الرأس البغدادي القديم. وعبثاً نحاول أن نهتدي لمعنى أن يرقد المرء قرب باب بغداد الذي شيد بحكمة جنرالات الإمبراطورية، لكنه صار مجهولاً لدى "جنرالات حيدر دبل". ليتني استطيع إدراك آخر حلم ارتسم داخل هذه الجمجمة العراقية العتيقة في الطابق الأخير من المقبرة، بموازاة العالم السفلي الخاص بعمر السهروردي الذي يرقد في الجزء المقابل للباب الوسطاني. أنتم هل تستطيعون؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. حنا السكران

    الخط السريع مفخرة الشوارع في بغداد وكأنك تدين صدام حسين لشقه طريقا لولاه لتقطعت بنا السبل وتوقفنا عن الانتقال بين شمال وجنوب المدينه ..كان قبر جدتي التي توقف اخوالي عن زيارتها لانشغالهم بامراضهم لكبرهم في السن ..عن اي زعماء وفقهاء تتحدث .. ليهتموا بقبور ا

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram