TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > اتفاقية هلسنكي للمياه فرصة كبيرة للعراق

اتفاقية هلسنكي للمياه فرصة كبيرة للعراق

نشر في: 23 فبراير, 2013: 08:00 م

أمامنا اليوم فرصة واعدة لتطوير قدراتنا المحلية في استثمار ثروة المياه وإمكانات التفاوض مع تركيا وسوريا وإيران بشأن أنهارنا المشتركة. ففي السادس من شباط الحالي أصبحت اتفاقية هلسنكي 1992 التي تسمى باتفاقية المياه أيضا، أول اتفاقية دولية نافذة لحما

أمامنا اليوم فرصة واعدة لتطوير قدراتنا المحلية في استثمار ثروة المياه وإمكانات التفاوض مع تركيا وسوريا وإيران بشأن أنهارنا المشتركة. ففي السادس من شباط الحالي أصبحت اتفاقية هلسنكي 1992 التي تسمى باتفاقية المياه أيضا، أول اتفاقية دولية نافذة لحماية واستخدام المياه المشتركة العابرة للحدود والبحيرات الدولية. وقد حظيت الاتفاقية بما لم تحظ به شبيهتها النيويوركية، إذ لا تزال اتفاقية نيويورك لعام 1997 ، وهي الخاصة بالاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية العابرة، غير داخلة في حيز النفاذ لعدم اكتمال نصاب الدول المصادق عليها.

قبل هذا التاريخ كانت اتفاقية هلسنكي 1992 عبارة عن اتفاقية إقليمية خاصة بلجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا التي تضم 55 دولة من أوروبا وأمريكا الشمالية ووسط آسيا. ونظراً للنجاح الذي حققته هذه الاتفاقية منذ انطلاقها قبل عشرين سنة، أجريت في عام 2003 بعض التعديلات على نصها يسمح بتوسيعها لتشمل دولا من خارج المجموعة الاقتصادية لأوروبا، مما يجعلها اتفاقية دولية نافذة للأمم المتحدة، معنية بتنظيم العلاقات والتعاون الدولي حول كل ما يتعلق بحماية المياه الدولية المشتركة وبضمنها الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، وهي الآن كذلك.
السبب الأساسي لنجاح هذه الاتفاقية وتطور مؤسساتها الفاعلة بين الدول هو تركيزها على مجالات العمل التي تعزز التدابير المحلية والوطنية في إدارة المياه المشتركة العابرة للحدود، ومن ثم توسيعها لتشمل التدابير الإقليمية، انطلاقا من المبدأ القائل (نظف بيتك أولاً كي تتمكن أن تطلب من الآخرين تنظيف بيوتهم). وبهذا ساعدت مؤسسات الاتفاقية الفاعلة على تطوير الكثير من الاتفاقيات الثنائية بين دول من داخل المجموعة الاقتصادية ومن خارجها أيضا ، مثل الاتفاقية الثنائية بين إيران وتركمانستان، حيث كانت إيران من خارج المجموعة الاقتصادية الأوروبية وتركمانستان من ضمن دول المجموعة. كذلك استندت العديد من الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف بين دول المجموعة إلى المبادئ والأحكام الواردة في هذه الاتفاقية فنتج عنها، اتفاقية حماية نهر الدانوب 1994، اتفاقية بحيرة بيبسي، اتفاقية أنهار ( الراين ، ميوزي، بيج ، شيلت)، اتفاقية المياه العابرة بين روسيا وروسيا البيضاء وكازاخستان وأوكرانيا، اتفاقية الراين 1999. ولا تزال العديد من دول العالم تسترشد بمبادئ هذه الاتفاقية لتنظيم العلاقات والتعاون المائي بينها خصوصا الدول التي تشترك في مصادر مياهها مع دول أخرى.
إن 65% من مصادر المياه في العالم هي مشتركة بين دولتين أو أكثر، فهناك دول تنبع منها هذه الأنهار والبحيرات ودول أخرى تكون مصبا لها، كما هو حالنا مع نهري دجلة والفرات. ويزداد التنافس على المياه حدة بسبب ازدياد أعداد البشر بشكل مضطرد، وكذلك تزايد وتنوع الاستخدامات الصناعية والبيئية والاقتصادية لهذه المياه، مما يؤدي إلى تلوثها في أماكن معينة، ولكن الأضرار تظهر في أماكن أخرى بسبب "الطبيعة الهيدرولوجية" للأنهار التي تجري حاملة معها كل الملوثات إلى نقطة المصب. كل هذا أدى إلى تزايد الحاجة إلى تعزيز أساليب التعاون مابين الدول لتقليل الأضرار ومنعها إن أمكن.
 وقد تم تثبيت معايير ومبادئ عالمية الطابع لتنظيم استخدامات هذه المياه بما يجعلها مصدراً للتعاون والسلام بدلا من الصراعات والحروب. وهنا تحديدا برزت النتائج الإيجابية لتطبيقات مبادئ وأحكام اتفاقية هلسنكي 1992 بشكل عملي وفعلي، إذ شكلت فرق عمل متخصصة تابعة لسكرتارية الاتفاقية لتقديم الدعم الفني والاستشاري حسب الحاجة، مثل الفريق المعني بالإدارة المتكاملة للمياه، والفريق المعني بالرصد والتقييم ، المجلس القانوني ، فريق الخبراء المشترك المعني بالمياه والحوادث الصناعية، ومركز التقييم الدولي للمياه الذي يصدر تقريرا مفصلا عن حالة المياه في عموم الكرة الأرضية.
إن نطاق عمل الاتفاقية يسمح ويشجع أي طرف أو دولة للاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى مؤسساتها للمساعدة في بناء القدرات الوطنية في مجال التقييم والرصد للمياه العابرة للحدود، والمساعدة على وضع آليات للتعاون على الإدارة المشتركة، وعلى التكيف مع تغييرات المناخ وحماية البيئة من الملوثات الصناعية، وحماية المياه والنظم الآيكولوجية وغيرها من متطلبات الأمن المائي.
ولا تزال المحافل الدولية تتناول كيفية تفعيل دور اتفاقية هلسنكي 1992 وتآزرها مع اتفاقية الأمم المتحدة – نيويورك 1997 لو دخلت الأخيرة حيز النفاذ، بما يمكن أن يحقق أفضل إطار عمل عالمي خاص بالمياه والتعاون الدولي المشترك  ، بما يضمن حقوق كافة الأطراف، وعدم السماح للتنافس على المياه أن يكون مصدرا للصراعات والحروب.
 ولابد أن نشير إلى الإمكانات الكبيرة التي يوفرها الانضمام إلى هذه الاتفاقية لدعم موقف العراق التفاوضي مع دول الجوار، على أن يكون المبدأ الأساسي الذي نعمل عليه هو البدء بتنظيف البيت العراقي من أسباب الهدر الكبير في مياهه وتلويثها، وبناء قدراته الوطنية بما ينسجم مع التحديات الحالية والمستقبلية.
سأتولى في مقالات لاحقة وصف الجهود التي تبذل حالياً للانضمام للاتفاقية الدولية هذه، ودراسة الفوائد الحاسمة التي سيجنيها العراق سواء على صعيد استثمار كميات الماء المتاحة، أو التفاوض على زيادتها مع البلدان المجاورة.
 *متخصصة بالموارد المائية

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. نزار موفق

    اتفاقية هلسنكي موضوع مهم واتمنى ان يُقرأ من قبل الحكومة العراقية

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram