TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > الاحتجاجات ومعادلة المنتصرين والمهزومين (5 – 5)

الاحتجاجات ومعادلة المنتصرين والمهزومين (5 – 5)

نشر في: 23 فبراير, 2013: 08:00 م

لقد طرحت القوى السياسية الرئيسة ثلاثة سيناريوهات لمعالجة الأزمة الأخيرة:السيناريو الأول: وهو سيناريو الانتخابات المبكرة الذي أعاد السيد المالكي ودولة القانون طرحه بعد الأزمة الأخيرة، وقد سبق للمالكي أن طرح هذا موضوع في حزيران 2012  رداً على محاو

لقد طرحت القوى السياسية الرئيسة ثلاثة سيناريوهات لمعالجة الأزمة الأخيرة:
السيناريو الأول: وهو سيناريو الانتخابات المبكرة الذي أعاد السيد المالكي ودولة القانون طرحه بعد الأزمة الأخيرة، وقد سبق للمالكي أن طرح هذا موضوع في حزيران 2012  رداً على محاولة المعارضين له آنذاك سحب الثقة عن حكومته، وهو سيناريو غير واقعي تماماً لأن حل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات مبكرة يتطلب حسب المادة 64 من الدستور طريقين:
الأول: طلب من ثلث الأعضاء (109 أعضاء) على أن يحظى بالأغلبية المطلقة (163 صوتا).
الثاني: وهو الأصعب، ويتطلب موافقة جهات ثلاثة: رئيس الوزراء الذي لا يملك سوى أن يدعو رئيس الجمهورية للموافقة على حل مجلس النواب، وعند موافقة الأخير، يجب أن يحظى الطلب بالأغلبية المطلقة (163 صوتا).
وهذا يعني أن هذا السيناريو يظل مرهونا بموافقة السيد جلال طالباني، ثم موافقة الأغلبية المطلقة لمجلس النواب، وبسبب الوضع الصحي للسيد طالباني، فضلا  عن مبدأ الحيادية التي أعلنه عند رفضه طلب سحب الثقة من السيد رئيس الوزراء فإن هذا الموضوع يبدو غير قابل للتحقق.
بالنسبة إلى الطريق الثاني لحل مجلس النواب، يبدو الأمر أكثر تعقيدا، فالمعادلة القائمة اليوم لا تتيح للسيد المالكي، ومن خلفه دولة القانون وما تبقى من التحالف الوطني، إمكانية جمع الأصوات المطلوبة لحل مجلس النواب، ونتائج التصويت الأخير على تحديد ولايات الرئاسات الثلاثة، دليل على ذلك. الأمر الأكثر أهمية هنا هو أن السيد المالكي نفسه لا يمتلك القدرة الحقيقية على ضمان أصوات دولة القانون فضلا عن الكيانات الأخرى في التحالف الوطني (المجلس الأعلى الإسلامي، منظمة بدر)، أو الكيانات الصغيرة الأخرى التي انحازت للمالكي (العراقية البيضاء، العراقية الحرة). فالجميع يعلم أن الغالبية العظمى من نواب دولة القانون، مثلهم مثل الآخرين، لا يمكنهم المراهنة على عودتهم إلى البرلمان ثانية في ظل أية انتخابات مبكرة مفترضة.
عملياً أيضا لا إمكانية حقيقية للذهاب إلى انتخابات مبكرة، فقانون الانتخابات يجب أن يعدل وفق قرار المحكمة الاتحادية التي قضت بعدم دستوريته! ونعرف جميعا طبيعة العقبات التي واجهت تعديل قانون الانتخابات في العام 2009. أي أن أية إمكانية لحل مجلس النواب لا تتم إلا عن طريق المجلس نفسه من خلال تعديل قانون الانتخابات، ومن ثم يمكن للرافضين الذهاب إلى انتخابات مبكرة، تعطيل هذه العملية قدر ما يشاؤون.
السيناريو الثاني: وهو السيناريو الذي تطرحه القائمة العراقية، عبر استجواب رئيس مجلس الوزراء سعيا لسحب الثقة عنه، وعن الحكومة بالنتيجة. وهو سيناريو وإن بدا دستوريا وقانونيا إلا أنه شبه مستحيل عمليا. ولا يمكن التعويل عليه أيضا. فعلى الرغم من أن الدستور العراقي رسم في المادة  61/سابعا/ج ،بوضوح، آلية استجواب رئيس مجلس الوزراء: (لعضو مجلس النواب، وبموافقة خمسةٍ وعشرين عضواً، توجيه استجوابٍ إلى رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء، لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل في اختصاصهم، ولا تجري المناقشة في الاستجواب إلا بعد سبعة أيام في الأقل من تقديمه). إلا أن المحكمة الاتحادية التي يهيمن عليها المالكي تماما، أعادت في قرارها رقم  35 لعام 2012 الصادر بتاريخ 2/5/2012 تفسير هذه المادة بالقول إن الاستجواب "يلزم أن يتضمن وقائع محددة تتضمن خرقا دستوريا أو قانونيا، وترتب عن هذا الخرق ضررا فادحا، ماديا أو معنويا". وسيعمد السيد المالكي إما إلى الاستناد إلى هذا القرار لرفض الذهاب إلى أي استجواب محتمل، أو أن يعمد إلى رفع طلب استجوابه إلى المحكمة الاتحادية، التي سوف تعتمد على عامل الوقت لتسويف الطلب بانتظار أية تغييرات محتملة في المعادلة السياسية كي تطيح بطلب الاستجواب، وهي آلية عمل منهجية اعتمدتها المحكمة الاتحادية أكثر من مرة لتسويف مسائل جوهرية، قبل أن تقرر، إذا اضطرت، عدم دستورية الاستجواب. ويبقى الأمر رهنا بما ستؤول إليه عملية شمول رئيس المحكمة الاتحادية العليا بقانون المساءلة والعدالة!
السيناريو الثالث، وهو السيناريو الذي تتبناه بعض قوى التحالف الوطني، تحديدا الدكتور إبراهيم الجعفري رئيس كتلة التحالف البرلمانية، فضلا عن المجلس الأعلى  الإسلامي  بزعامة عمار الحكيم. ولا نجد أية إمكانية حقيقية لعقد هكذا حوار، أساسا، بسبب حجم الخلافات والمواقف الاستقطابية للأطراف الرئيسية (دولة القانون بشكل أساسي، القائمة العراقية، والتحالف الكردستاني) التي لا تتيح أية إمكانية للوصول إلى حلول يقبل بها، أو يلتزم بها، الجميع، في ظل موازين القوى القائمة، وفي ظل عدم وجود أية مرجعية لهذا الحوار المفترض (لا أحد في العراق يحترم أو يلتزم بالدستور القائم، والجميع بلا استثناء إنما يستخدم الدستور وفقا لتأويله الخاص بوصفه "أداة" من أدوات الصراع السياسي)، وأخيرا في ظل عدم تبدل مواقف الدول الإقليمية والدولية الفاعلة الداعمة للمالكي (إيران والولايات المتحدة تحديدا)، خاصة وأن المشاركين يجتمعون هذه المرة من دون الفاعل الأمريكي الذي كان، طوال السنوات التسعة الماضية، الوسيط والضاغط والضامن لجميع اللقاءات "الوطنية"!
إن دخول الجمهور السني بشكل مباشر في إدارة الصراع لن يتيح للحكومة استخدام مناوراتها التي نجحت على مدى السنوات الماضية، فضلا عن أن عدم وجود قوة، سياسية أو دينية أو عشائرية أو مدنية، قادرة على التحكم بشكل عقلاني بحراك هذا الجمهور يجعل من الصعب التنبؤ بالخطوات التي يمكن أن يقدم عليها. وكانت الدعوة لصلاة موحدة في جامع أبي حنيفة النعمان في الأعظمية، أي نقل ثقل التظاهرات إلى بغداد مثالا واضحا على هذا الأمر. على الجانب الآخر، وفي ظل عدم وجود إرادة سياسية حقيقية للتعاطي مع مطالب المتظاهرين، والمراهنة على فقدان زخمها مع الوقت. خاصة وأن الأطراف الفاعلة في الحكومة لم تر في هذه التظاهرات تهديدا حقيقيا لسلطتها، وكانت مستعدة للتعامل مع "هايد بارك" سني مسيطر عليه أمنيا، ولكن الدعوة للصلاة في بغداد جعلها تشعر بالتهديد الصريح للمرة الأولى منذ اندلاع التظاهرات، وهو ما يفسر ردود فعلها المبالغ فيها لمواجهتها.
لقد كانت المعركة على "هوية بغداد" جزءا مركزيا في الصراع السني ـ الشيعي بعد الاحتلال، وكانت عملية تصنيع خطوط التماس التي أديرت بشكل منهجي بعد أحداث سامراء في شباط/فبراير 2006،  ببشاعة مفرطة نتيجة منطقية لهذه المعركة، خاصة مع التصريحات السياسية، على أعلى المستويات عن هوية "محددة" لبغداد أفرزتها نتائج الاستفتاء على الدستور في عام 2005، وفي الحديث عن فيدرالية "الجنوب والوسط وبغداد" التي رفعها عبد العزيز الحكيم حينها. وقد انعكس هذا الصراع بشكل جلي في متن الدستور نفسه في المادة المتعلقة بالعاصمة (المادة 124) التي ميزت بين العاصمة "بغداد" بحدودها البلدية التي يجب أن تنضم بقانون لا يجوز لها أن تنضم لإقليم، ومحافظة بغداد بحدودها الإدارية القائمة، وأعطت "لها" حق الانضمام إلى إقليم. ومن ثم يجب موضعة الدعوة "السنية" للصلاة في بغداد، والرفض "الشيعي" لهذه الدعوة في إطار هذه المعركة، بعيدا عن أية تمويهات يلجأ إليها المتصارعون لتوصيف هذه المسألة.
وهذا الدخول المباشر للجمهور السني فاعلا رئيسيا في المواجهة أطاح في الوقت نفسه بالمناورات التي اعتمدها بعض السياسيين للخلاص من هيمنة المركز "المهيمن عليها شيعيا" عبر الدعوة إلى الفيدرالية، سواء فيدرالية المحافظات السنية منفردة، أو الحديث عن "إقليم سني" يضم المحافظات السنية ككل. فقد كان السنة العرب يرفضون بشكل قاطع النظام الفيدرالي، في مقابل إصرار الأطراف المقابلة (الشيعة والكرد) على هذه المسألة. وكان هذا الموضوع أحد العقد الرئيسية عند كتابة الدستور، وقد نجح "المنتصرون" في فرض رؤيتهم، فكان أن جاءت المادة الدستورية المتعلقة بتكوين الإقليم "فريدة" من حيث آلية التصويت، فهي المادة الوحيدة في الدستور العراقي التي يمكن تمريرها "بالأغلبية البسيطة للأعضاء الحاضرين"! ولكن الأمر انقلب لاحقا، فأصبح السنة من الداعين إلى تكوين الإقليم في مقابل رفض شيعي شبه مطلق! وقد كانت هناك محاولتان لتشكيل أقاليم في العام 2011، قامت بهما محافظتا صلاح الدين وديالى، ووجهت برفض رئيس مجلس الوزراء، في انتهاك صريح للدستور (المادة 119) ولقانون الإجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الإقليم رقم 13 لسنة 2008، التي لا يتيح لمجلس الوزراء حق البت في طلب تكوين الإقليم، ويحصر دوره في تقرير الميزانية الخاصة بالاستفتاء على طلب الإقليم وإحالة الطلب خلال خمسة عشر يوما إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. وعلى الرغم من أن موضوع الفيدرالية يطرح "رسميا" حتى االلحظة كأحد مطالب المتظاهرين، إلا أن وجود أبرز مؤيدي الفيدرالية بين الفاعلين الأساسيين في التظاهرات (النائب أحمد العلواني وعضو مجلس محافظة الأنبار فيصل العيساوي يعدان  أبرز  المؤيدين لفيدرالية الأنبار، والنائب شعلان الكريم والمتحدث الرسمي باسم متظاهري سامراء ناجح الميزان ـ كان الأمين العام للمؤتمر التأسيسي لإقليم صلاح الدين ـ يعدان من أبرز الداعين للفيدرالية في صلاح الدين)، فضلا عن الفتوى الصادرة في 24/1/2013 عن مكتب الشيخ عبد الملك السعدي الرافضة للفيدرالية بوصفها "محرمة شرعا"، ورسالة الشيخ عبد الكريم زيدان إلى المتظاهرين التي تحذرهم من "الالتفات إلى الفيدرالية"،  تعكس بالضرورة جزءا من  الانقسام في الرؤية والمواقف بين المتظاهرين من مسألة الفيدرالية، خاصة مع دخول "بغداد" عنصرا رئيسا في المواجهة القائمة.
إن إصرار المتظاهرين من جهة، وتعنت المالكي من جهة أخرى، سيؤديان في حالة عدم الوصول إلى تسوية ترضي المتظاهرين الذين استعادوا الثقة بقدرتهم على تغيير معادلة "المنتصرين والمهزومين" التي فشل السياسيون في تغييرها، إلى تعزيز خطاب دعاة العنف، واستعادة الجماعات المسلحة لثقة الجمهور مرة أخرى بوصفهم الوحيدين القادرين على تغيير معادلة. وهو سيناريو كارثي تماماً في ظل المتغيرين الأمريكي (انسحاب القوات الأمريكية)، والسوري. لاسيما وأننا سنكون أمام "عنف مشرعن" هذه المرة دفاعا عن الحق في المشاركة في السلطة، إنه عنف آخر يختلف تماما عن العنف الذي واجهناه بعد نيسان 2003 باسم المقاومة مرة، وباسم الإسلام مرة، وباسم اللآيديولوجيا مرة أخرى، إنها مواجهة باسم "المظلومية" هذه المرة، وما أسهل التحشيد تحت هذه المقولة. ولكن هذا الخيار سيبقى مرهونا بعاملين أساسيين، الأول طبيعة الحراك السياسي داخليا، ومواقف إيران والولايات المتحدة خارجيا. فبقاء كتلة شيعية صلدة مؤيدة للمالكي ستدفع بالأزمة إلى التصاعد، وهذه الكتلة ما زالت قائمة من خلال التحالف الوطني فيما عدا الصدريين. وبقاء الدعم الإيراني والصمت الأمريكي سيدفع أيضا الأزمة إلى التصعيد، وليس ثمة إشارات، حتى اللحظة، على أن ثمة تغييرا سيحدث في هذه المواقف.
على أعتاب الذكرى العاشرة لاحتلال العراق، يجد العراقيون أنفسهم في مواجهة الأسئلة نفسها التي واجهوها بعد الاحتلال مباشرة، ولكن في ظل انقسام مجتمعي عمودي أكثر حدة مما كان عليه الأمر في اللحظة الأولى، وإذا كانت المواجهة بين الإقليم والمركز التي وصلت ذروتها في الأشهر الماضية مرشحة للتراجع في ظل المواجهة السنية ـ الشيعية القائمة، خاصة وأن فشل المالكي في ستراتيجيته في استبدال أصوات الكرد بالسنة الموالين ستدفعه إلى إعادة ترتيب العلاقات الكردية ـ الشيعية مرة أخرى، لأنها السبيل الوحيد للفوز بولاية ثالثة، فإن المواجهة السنية ـ الشيعية مرشحة للتصاعد إلى مديات غير مسبوقة. وهو ما يعكس عمليا فشل النخب السياسية العراقية في إعادة إنتاج "هوية وطنية" يصوغها الجميع، ويقبل بها الجميع، هوية قائمة على الاعتراف بحقيقة المجتمع التعددي في العراق، وعلى أن العراق لن يحكم ثانية إلا من نظام سياسي يشرك الجميع في إدارة السلطة والثروة، نظام سياسي يقرّ به الجميع، ويلتزم به الجميع، ويضمن عدم قدرة أيّ طرف على احتكار السلطة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram