TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > مكافحة العواصف الترابية .. واجبنا تجاه الأجيال المقبلة

مكافحة العواصف الترابية .. واجبنا تجاه الأجيال المقبلة

نشر في: 25 فبراير, 2013: 08:00 م

مارتن كوبلر* كانت الأمطار الغزيرة والفيضانات التي عمّت البلاد خلال فصل الشتاء الحالي، والتي أحدثت ضرراً بالغاً في البنية التحتية، وأجبرت آلاف الأسر على النزوح من ديارها، وخاصة في محافظة صلاح الدين، تذكيراً صارخاً بما يمكن أن ينجم عن الظروف الجوية ال

مارتن كوبلر*

كانت الأمطار الغزيرة والفيضانات التي عمّت البلاد خلال فصل الشتاء الحالي، والتي أحدثت ضرراً بالغاً في البنية التحتية، وأجبرت آلاف الأسر على النزوح من ديارها، وخاصة في محافظة صلاح الدين، تذكيراً صارخاً بما يمكن أن ينجم عن الظروف الجوية الصعبة من آثار تدميرية هائلة في اقتصاد البلاد، وصحة مواطنيها، وحياتهم.
لقد بدأ الطقس الآن يزداد دفئاً بنحو سريع، وتوقف هطول الأمطار، ولكن، وكما يعلم كلّ من يعيش منّا في هذا البلد، فإن السماء الصافية سرعان ما ستتلبد بالغيوم من جديد، بسبب ظاهرة بيئية أخرى، وهي العواصف الترابية التي ستثور من جديد خلال فصلي الربيع والصيف. وسيؤدي ذلك إلى إغلاق المطارات والمعابر الحدودية، وتعطيل البنية التحتية لوسائل الاتصالات، وفقدان سلع تبلغ قيمتها ملايين الدولارات. كما ستغص المستشفيات بمرضى يعانون أمراضا في الجهاز التنفسي ناجمة عن الغبار.
وسيتأثر الجميع من جراء هبوب العواصف الترابية التي لا تعبأ بالجنسية أو السن أو الدين أو العرق. فطفلة زميلي العراقي ذات الأعوام الستة والتي لم تذهب إلى مدرستها التي أغلقت أبوابها بسبب العاصفة، والزعيم السياسي الذي  لم يتمكن من السفر بسبب تعذر الرحلات الجوية، كلاهما يتضرر بسبب تلك العواصف.  
لقد شكلت العواصف الترابية معضلة كبيرة على مدى السنوات العشر الماضية في العراق. ولا شك أن هذا الوضع لا يشهد أي تحسن. ففي حين تم رصد  هبوب 122 عاصفة ترابية في العراق في عام 2008، تشير التقديرات إلى أن 300 عاصفة قد تجتاح البلاد كل عام في غضون السنوات العشر القادمة. وتؤدي شدة العواصف وتكرار حدوثها المتناميين- بسبب تفاقم ظاهرة التصحر وتراجع الغطاء النباتي- إلى تدهور مستمر في البيئة.
والعواصف الترابية لا تعرف الحدود، وبطبيعة الحال، فإن العراق ليس البلد الوحيد الذي يتأثر بها. وهذا هو ما دفعني للمشاركة- جنباً إلى جنب مع وزير البيئة العراقي- في اجتماع وزاري نظمه برنامج الأمم المتحدة للبيئة وعقد في نيروبي بكينيا الأسبوع الماضي حول العواصف الرملية والترابية في منطقة الشرق الأوسط. وقد حرصت في ذلك الاجتماع على حث الوزراء المشاركين وغيرهم من الممثلين عن وزارات البيئة في المنطقة على الالتزام الخلاق بمعالجة هذه المسألة. لقد كنا جميعنا هناك لأننا نشترك في الرؤية نفسها. فكلنا مهتمون بمجال البيئة وكلنا نسعى إلى إحداث تغيير إيجابي في هذا المجال.
وقد أيدت إقامة أحزمة خضراء في العراق، كما عبرت - مع ممثلي عدة دول في المنطقة- عن دعمي للنداء الذي أطلقه المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، السيد أكيم شتاينر، لإنشاء صندوق استئماني إقليمي يعنى بالبيئة. فبدلاً من فقدان أجزاء كبيرة من الثروة الوطنية بسبب العواصف الترابية، ماذا لو استخدم العراق وغيره من دول المنطقة كل تلك الأموال لمنعها؟ إن تخصيص أموال للقضايا البيئية هو غالباً ما يكون ببساطة مسألة تحديد أولويات لا أكثر.
إن مكافحة العواصف الترابية لن تصب في مصلحة طائفة معينة دون أخرى. فهذه الظاهرة الطبيعية لا تعبأ بأي اختلافات سياسية أو طائفية. فمن هذا المنطلق إذن تمثل العواصف الترابية أيضاً فرصة  للحوار. وأنا أؤكد اعتقادي القوي بأنه ليس بوسع حكومة واحدة أو حكومتين إحداث تغيير لوحدهما، وأننا يجب أن نتحد جميعاً وأن نعمل معاً يداً بيد في هذا المجال. فحماية البيئة واجب عالمي ينبغي على كل بلدٍ وكل فردٍ الاشتراك في القيام به، كما يجب على الساسة أن يرقوا إلى مستوى المسؤوليات المنوطة بهم لحماية البيئة.
ومن الطبيعي أن تكون الأزمة السياسية هي الهم الوحيد الذي شغل أذهان الجميع في العراق خلال الأشهر القليلة الماضية. لقد شغلتنا كلنا، ولكنها لا ينبغي أن تكون ذريعة لعدم الاهتمام العاجل بالقضايا البيئية. لقد اكتوى العراق بلظى ثلاث حروب مروّعة، وعقودٍ من العقوبات وسنوات طوال من الديكتاتورية الوحشية، ما أدى إلى تدمير اقتصاد البلاد وتمزيق نسيجها الاجتماعي. وقد نالت البيئة أيضاً حظها  من هذا الخراب، فأصابها التدهور. لا ينبغي لنا إذن التفكير في الازدهار والتقدم والنمو في العراق مالم نعمل على معالجة هذه المسألة. فالبيئة أمر أساسي لتحقيق التعافي والتنمية المستدامة، وهما بدورهما  أمران أساسيان لمستقل البلاد.
وفي الوقت الذي يترك فيه العراق الماضي وراءه، ويفرد أشرعته مبحراً نحو آفاق جديدة، فإن البيئة يجب أن تلعب دوراً كبيراً في الجهود الرامية إلى تسخير موارد العراق الطبيعية، وطاقات شبابه لتمهيد الطريق نحو مستقبل أكثر إشراقاً. قد ظل العراق، الذي يعد بمثابة القلب في منطقة الهلال الخصيب التاريخية، يعاني ظروفا مناخية بالغة الصعوبة، نتجت عنها عواقب وخيمة على قطاعي الاقتصاد والصحة. لذلك فإنني أدعو القادة العراقيين اليوم، إلى معالجة مسألة العواصف الترابية وجعل البيئة أولوية كخطوة أساسية لضمان تحقيق الرفاهية للأمة في غدها القريب، ومن أجل الأجيال المقبلة.   

* الممثل الخاص للأمين العام  للأمم المتحدة في العراق

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram