TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > رموز الثورة وأيقوناتها (5-2)

رموز الثورة وأيقوناتها (5-2)

نشر في: 25 فبراير, 2013: 08:00 م

عندما قتلت قوات الأمن المصرية الشاب "خالد سعيد"، كنت آنذاك في برلين، تجمعت مع أصدقائي من جنسيات عربية مختلفة : مصريين و سوريين وتونسيين وجزائريين وعراقيين يقودنا الصحفي المصري "محمود توفيق" واعتصمنا أمام مبنى السفارة المصرية في برلين، كانت تظاهرة عاب

عندما قتلت قوات الأمن المصرية الشاب "خالد سعيد"، كنت آنذاك في برلين، تجمعت مع أصدقائي من جنسيات عربية مختلفة : مصريين و سوريين وتونسيين وجزائريين وعراقيين يقودنا الصحفي المصري "محمود توفيق" واعتصمنا أمام مبنى السفارة المصرية في برلين، كانت تظاهرة عابرة للحدود السياسية تضم شبانا من أوطان عرفت الاستبداد في تاريخها ولم يخطر على بالنا آنذاك، أننا بعد عام، سوف نعيش في عالم مختلف. وأن خالد سعيد سيتحول إلى  إيقونة للثورة المصرية.
وما كان البوعزيزي في تونس سوى عود الكبريت الذي أشعل كومة هائلة من القش على امتداد العالم العربي بأسره، وكان هناك وعلى امتداد حياتنا الكثير من أشباه البوعزيزي ممن يودون إحراق أجسادهم لرفض العالم، أو أمثال خالد سعيد ممن دفعوا حياتهم ثمنا لكشف الحقيقة.
كان أحد هؤلاء صحفي كردي شاب اسمه "سردشت عثمان"، كتب مقالات جريئة ينقد فيها الفساد... خُطف سردشت من أمام الجامعة التي يرتادها كطالب، وأُطلق الرصاص على فمه... وأثناء تصوير فيلمي الوثائقي "حرية مشروطة" ذهبت إلى منزله الكائن في حي فقير في أربيل لاستطلاع رأي أصدقائه وعائلته حول نتائج التحقيق الرسمية...صعدت مع أخيه إلى مكتبته التي كانت تحوي كتبا عن روائع الأدب العالمي وكتبا ذات منحى ليبرالي واضح .. وأخبرتني زميلتي الكردية "نياز عبد الله" التي كانت تقوم بمهام الترجمة لي مع عائلة سردشت، هل كان يخطر على بال سردشت أنه سيغير جيلا بكامله، كلماته تنضح بمثل هذه النبوءة والعزم، إذ ينهي آخر مقال وداعي له "سأظل أكتب إلى اليوم الذي تنتهي فيه حياتي ...وسأضع نقطة في نهاية السطر، وعلى أصدقائي أن يكتبوا سطرا جديدا"
لم يكمل زملاؤه السطر فحسب، بل أخذوا جميعا يسهمون في (كتاب التغيير) الذي سيصبح دليلا لعالم المستقبل.
كما كان زملاؤه في بغداد يتظاهرون في شارع المتنبي (وهو الشارع الشهير في بغداد لبيع الكتب وملتقى الأنتلجنسيا العراقية عبر الأجيال)  للدفاع عن الشاعر أحمد عبد الحسين.
فقد تعرض أحمد للتهديد في أعقاب نشره مقالا نقديا حول سرقة بنك محلي راح ضحيته عراقيون أبرياء، فضلا عن سرقة مبلغ مالي كبير يقدر بملايين الدولارات، أشار فيه إلى تورط جهات سياسية متنفذة في الحادث.
وكان رد زملائه تظاهرة المتنبي المدوية  في ما عرف حينذاك بكونه "التظاهرة الكبرى حول حرية التعبير في تاريخ العراق المعاصر". وحين انطلقت الثورة في مصر أصبح تقليدا في كل يوم جمعة أن تنطلق تظاهرة من شارع المتنبي  يقف في مقدمتها "أحمد عبد الحسين" وزملاؤه الأصغر سنا من شباب شباط ، وتمر عبر شارع الرشيد التاريخي في بغداد لتصل في النهاية إلى ساحة التحرير وتلتحم بجماهير المتظاهرين تحت نصب الحرية.
كنا نطلق عليها اسم "تظاهرة المكانيس"..  اشترينا المكانيس من باعة الأرصفة وحملناها مثل رماح على الرؤوس، وعندما كنا نصل إلى زاوية مهملة لم تصلها يد أمانة بغداد، كنا نقوم بتنظيفها، وكانت هناك إشارة أخرى في حملنا للمكانيس غير الإشارة إلى سوء الخدمات التي تقدمها الحكومة : إننا عازمون على تنظيف الشارع العراقي من المسؤولين الفاسدين.
كان هذا إعلانا عن جيل جديد أسقط جميع الفرضيات الشائعة عن شباب ما بعد الحداثة، فهو ليس جيلا سطحيا غارقا في كسله ولامبالاته السياسية، وانه لا يعرف عن العولمة سوى ثقافتها الاستهلاكية، دون أن يستطيع التحكم بأدواتها لتغيير واقعه. وليس جيلا منخرطا دون أمل بالعودة أو الشفاء في هويته المحلية الطائفية أو العرقية، وبالتالي تحكمه قوانين ثقافته المناطقية التي لا يستطيع الفكاك من أسرها، ولن يكون بهذا الحال سوى وقود لكل حرب أهلية أو اضطراب سياسي.
لقد هزّ هذه الافتراضات بعمق أن هذا الجيل ارتقى من حالة اللامبالاة المفترضة والكسل إلى مرحلة بلوغ "الخيال السياسي". لم تستطع الحكومات العربية القومية طوال أكثر من نصف قرن أن تحقق ما وصل إليه الشباب خلال أيام، فمن شواطئ المحيط الأطلسي إلى ضفاف الخليج العربي اتضح أن الشباب الجديد يفكر بطريقة واحدة وتجمعه أهداف مشتركة وحمل شعارات تعكس رؤية مختلفة لعالم المستقبل، إذ لم يجمعه الإحساس بـ"العروبة" بقدر ما جمعته الرغبة في التغيير.
بالتالي للمرة الأولى منذ نشوء دولة ما بعد الاستقلال يتوحد العالم العربي في موجة واحدة، بفضل قادة جدد يحكمون الشوارع والميادين.  
لم توحد هؤلاء الشباب كتب ميشيل عفلق أو خطابات جمال عبد الناصر، ولم يتعلموا فن الثورة عن طريق قراءة كتب ماركس ولينين أو قراءة فتاوى الخميني،  بل من متابعة أقرانهم في كل مكان، ولو كان لوائل غنيم مؤلفات لأصبحت أهم من رأس المال لكارل ماركس، كما تبدّى البوعزيزي في صورة تشي غيفارا.
 كانوا يراقبون ويتعلمون متأثرين بالخبرة التونسية والمصرية وخاصة الأخيرة، ومثلما كان الاعتقاد الشائع في مصر أن الإخوان المسلمين وحدهم من يمتلك القدرة على تحشيد الشارع والزج بتظاهرات جماهيرية والذي حطمت أسطورته ثورة الشباب المصري، حطمت احتجاجات العراق الفكرة الشائعة أن التيار الصدري هو الوحيد الذي يستطيع أن يعبّئ الشارع بآلاف المتظاهرين، وأن الحركة لا يمكن أن ترقى إلى مستوى شعبي إلا دخل فيها الصدريون.
عبادة التغيير وأُمّة الديجتال
كان الشباب الثائر يشكلون  "أُمة ديجتال" لا تعترف بالحدود السياسية ولا تصنف مواطنيها على أساس الدين أو العرق أو الطائفية، وكان بالإمكان الانتماء والتخلي عن هويتها بنفس البساطة، وانتصب  نصب الحرية وسط المشهد بمثابة "كعبة افتراضية" يحج إليها شباب فيس بوك لكي ينالوا ثواب الدخول في جنة التغيير.
 كانت لأمة الديجتال عبادتها الـ"ما بعد حداثية"، وبرغم كل شيء تضمنت طقوسا تقليدية ،مثل المشي إلى أماكن التظاهرة، وقارن لي شاب يبلغ من العمر 18 عاما بين ما يمارسه الشيعة من طقوس الزيارة من خلال المشي عشرات الكيلومترات لزيارة قبور الصالحين والأئمة المقدسين في مناسباتهم الدينية وما يفعله المتظاهرون بنفس الحماسة والمشاعر النقية، أشار بأصبعه باتجاه ساحة التحرير "هناك مكاننا المقدس"، وبالفعل كانت الساحة تغصّ بالزائرين من الذين قطعوا عشرات الكيلومترات لكي يرفعوا شعاراتهم في شكل دعوات للحكومة وينفتحوا برموزهم التعبيرية على حسّ ثوري عال، ونشوة أقل ما يقال عنها بأنها دينية، واحتفائهم العالي بأيقوناتهم الشبابية من المعتقلين، بما يشبه الوله الروحي بشخصيات القديسين.
وبرغم أن العراق دخل متأخرا إلى العولمة... وقبل الاحتلال الأميركي لم يعرف شيئا عن شبكة الهواتف المحمولة، وكان القانون يعاقب على اقتناء أطباق تسلم البث الفضائي "الستلايت"، وظل استعمال شبكة المعلومات الدولية محدودا في بعض الدوائر الحكومية، لكن شباب عالم ما بعد 2003 تعلموا جيدا جميع الحيل، وبسرعة خاطفة انفتحوا على تقاليد تقنية غير معهودة بالنسبة للأجيال القديمة، حتى أن السياسيين حاولوا مواكبة التطورات التقنية في دعاياتهم الانتخابية في محاولة لنيل رضا شباب لا يمكن التحكم في عوالمهم الافتراضية الخفية.
ودخل "فيس بوك" كآخر صيحة في عالم المنافسة الانتخابية، وتكاثرت حسابات مسجلة بأسماء جميع المرشحين السياسيين في العراق بمن فيهم رئيس الوزراء الحالي، مثلما كان إنشاء المواقع الإلكترونية  تجارة مزدهرة في الانتخابات فتتقاضى بعض المواقع عمولات هائلة لتقود حملات ضد هذا الطرف لحساب طرف آخر.
وكانت المواقع ذات الشعبية الهائلة ،مثل موقع "كتابات" ساحة حرب دائمة بين الأطراف السياسية المتصارعة على السلطة في العراق، موفرة هامش حرية غير مسبوق يمكن من خلاله  نشر الفضائح السياسية بالوثائق والأرقام دون رقابة أو تدخل أو خوف كما هو معهود في عالم الصحافة المطبوعة المتكلس.  
وقد وظف شباب شباط جميع هذه الأدوات في تمردهم التقني ضد العالم القديم.

الشعوب تتعلّم من بعضها .. وكذلك الحكومات
ومثلما كانت الشعوب تسلك مثل مثيلاتها طرق الحرية وتتعلم كيف تعبّر عن نفسها باستخدام أدوات العولمة، ويصبح شبابها جسرا للتواصل، كذلك كانت الحكومات تستنسخ وسائل القمع وتعيد إنتاج نموذج الدولة البوليسية بوجوه متعددة، والبلطجية الذين ظهروا في ميدان التحرير بالقاهرة واعتدوا على المتظاهرين كانوا موجودين أيضا في ساحات التحرير العربية، وظهرت نسختهم العراقية قبل اندلاع يوم الغضب العراقي بأيام، حين حاولت الحكومة توجيه ضربة استباقية للتظاهرات، وذلك بتوجيه البلطجية على الشباب المتجمعين في ساحة التحرير ببغداد متضامنين مع أقرانهم المصريين المتجمعين في ميدان التحرير وسط القاهرة.
واجه الشباب العزّل داخل السرادق الذي نصبوه في ساحة التحرير هجوما  بالهراوات الكهربائية وطعنات بالسكاكين من قبل رجال أمن بالزيّ المدني  مدة استمرت أكثر من ساعة (منذ الساعة الواحدة وحتى الثانية فجرا)، وتعرضوا لجروح وتم اختطاف بعضهم إلى جهة مجهولة.
كما أتقنت الحكومات فنّ تشويه الخصم باتهامه بالعمالة وارتكابه الخيانة وتحويل المواجهة بين الجماهير المطالبة بالإصلاح والحكومات الفاسدة إلى مواجهة بين موالين للحكومة ومعارضين لها.. وكل حركة احتجاجية تحمل بصمتها الخاصة لكنها جميعا تشترك بملامح متشابهة.
وفي العراق حين فشلت الحكومة في نقل مكان التظاهرات إلى  خارج ساحة التحرير وأصرّ المتظاهرون على القدوم جمعة بعد أخرى إلى الساحة، عملت الحكومة على احتلال ساحة التحرير من خلال تحشيد مؤيدين لها، والزجّ بهم في الساحة بعد انتهاء مهلة المئة اليوم التي أعلنتها للاستجابة لمطالب المتظاهرين، فأطلقت تظاهرات مضادة للتخلص من غضب الشارع، اعتدى فيها موالون للحكومة بالعصي والسكاكين على المتظاهرين العزّل.
فواجهت "جمعة القرار" التي قرر فيها المتظاهرون الرد على فشل الحكومة في تحقيق إصلاح حقيقي، جمعة حكومية أطلق عليها "جمعة القصاص"  نادت بإعدام مجرمين تورطوا في جريمة قتل بشعة في فترة الحرب الطائفية، وكان الخطير في الأمر إظهار أحد المجرمين  بوصفه مشاركا في تظاهرة ساحة التحرير كمحاولة لتشويه سلمية التظاهرات، والتغطية على فشل الحكومة في إحداث إصلاحات حقيقية.
وكانت "زهراء العضاض" 25 عاما التي قدمت من فرنسا لكي تشارك في الاحتجاجات الجماهيرية، شاهدة على تصادم الجمعتين. فقد ظلت تتابع خلال الأشهر السابقة أخبار الاحتجاجات على صفحات فيس بوك. وأتيح لها زيارة القاهرة بعد شهر من تنحي مبارك عن السلطة لغرض لقاء ناشطات نسويات مصريات لموضوعها عن الدكتوراه. وزارت ميدان التحرير الشهير وهي تحمل رغبة في زيارة توأمه في بغداد.
وزهراء التي ولدت في فرنسا تنحدر من عائلة إسلامية معارضة لنظام صدام ، تعبّر عن طموح جيل جديد مختلف عن التوجهات الأيديولوجية للآباء، وقد زودتها الحياة في فرنسا بإمكانات مفتوحة على أقصاها للمشاركة في الاعتصامات والاحتجاجات المناهضة للتمييز العنصري ضد المسلمين في فرنسا، وشاركت منذ بلغت الخامسة عشرة من العمر في تظاهرات ضد التمييز الجنسي وللمطالبة بحقوق المتقاعدين وإصلاح الخدمات هناك.
راقبت زهراء بحذر وهي تقترب من نصب الحرية رجال العشائر الذين ضللتهم الدعاية الحكومية بأنهم يواجهون إرهابيين وقتلة، وهم يعتدون على المتظاهرين السلميين، تقول "شاهدت امرأة تلبس عباءة سوداء وتحمل لافتة تطالب بمعرفة مصير أبنائها المفقودين منذ العام 2003 وحولها رجال عشائر يضربون المتظاهرين بالعصيّ".
كما لفت انتباهها الرجال الذين يرتدون البدلات الرسمية بين رجال العشائر، وقد استنتجت بسرعة أنهم موظفون حكوميون ُزجّ بهم إلى الساحة لاحتلالها.  وحين وقع نظرها على  "عبد الأمير الركابي" وهو كاتب يساري يعيش في فرنسا، أخذ بيدها ليخرجا معاً من المعركة الدائرة ويتوجها إلى شارع المتنبي حيث ينتظر مئات المثقفين هناك نتائج الحرب التي أعلنتها الحكومة على المتظاهرين.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram