TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > ودارت عجلة السرقة.. للتوقف عجلة السياسة

ودارت عجلة السرقة.. للتوقف عجلة السياسة

نشر في: 26 فبراير, 2013: 08:00 م

أحياناً أحاول ان أتخيل بماذا يفكر المواطن الأوروبي، وهو يقرأ كتابا أو صحيفة، بالتأكيد ستكون اهتماماته متعلقة بأحدث إصدارات دور النشر، ولأنني لا أريد ان ادخل القارئ في نفق مظلم سأتحدث عن الكتب، فقد وقعت عيناي على خبر يقول إن كتاب "التاو" حقق مبيعات قياسية في المكتبات الاوروبية بحيث عد الكتاب الأكثر مبيعا، والتاو كتاب في الفلسفة كتبه الفيلسوف الصيني لاوتسو، وهو معاصر لكونفوشيوس، ويعده الكثير من الدارسين للفلسفة الصينية الفيلسوف الأول، وقد تصدى لترجمة الكتاب للعربية اثنان من أهم فلاسفة العرب المعاصرين، وهما الدكتور عبد الغفار مكاوي في ترجمة نشرت باسم (كتاب الطريق)، وهادي العلوي في مختارات من التاو، كتاب التاو عبارة عن قصص وأمثال وحكم ونوادر صيغت بأسلوب رمزي يجمع بين البساطة العميقة والشاعرية الأخاذة. يقول فيلسوفنا الراحل هادي العلوي ان أصل كلمة تاو في اللغة الصينية هو الصراط، وفي الفلسفة يصبح هو الطريق الذي يأتي منه كل شيء والذي ترتد إليه كل الأشياء، من بين الحكايات التي ضمها كتاب (التاو) في ترجمة مكاوي اخترت هذه الحكاية التي تفاجئنا بحداثتها برغم أنّها تعود إلى ما قبل ألفين و أربعمائة عام.
والحكاية تقول: كان في بلاد "تسي" رجل يدعي "كو" وكان غنيا جدا، وكان في بلاد "سونغ" رجل يدعى "هيانغ" وكان فقيرا جدا. ذهب الرجل الفقير إلى الغني وسأله ماذا فعل ليصبح غنيا؟! فقال له "بممارستي السرقة. فعندما بدأت أسرق حصلت، خلال سنة، على ما يفي بحاجتي. وفي غضون عامين أصبحت في بحبوحة، وخلال ثلاث سنوات أصبحت موسرا ثم أصبحت من الأعيان، ولم يطلب الفقير المزيد من الإيضاحات، فودّعه والأرض لا تكاد تسعه من الفرحة وشرع للتو في السرقة، يتسلق الجدران أو يثقبها، مستحوذا على كل ما يتفق ورغبته، لكن ما لبث أن ألقي عليه القبض، فأعاد ما استولى عليه إلى أصحابه وخسر زيادة على ذلك، القليل الذي كان يملكه من قبل، ولاعتقاده بأن "كو" قد خدعه، ذهب إليه ولامه لوما شديدا، فسأله "كو"، وقد عقدت الدهشة لسانه:كيف تصرفت؟ وعندما روى له الفقير طريقته، صاح "كو": لم أجمع ثروتي عن طريق هذا النوع من السرقة،فأنا سرقت بحسب الوقت والظروف، فقد استحوذت على الاشياء قبل ان تصل الى الناس، إن كل ما عندي سرقته، ولكن قبل أن يؤول الى اي شخص، أما أنت فقد سرقت ما تركته انا للناس، ما قمت به انا سرقة عامة لا يعاقب عليها القانون، أما ما قمت به انت فسرقة خاصة ويعاقب عليها، إن الناس من امثالي يعيشون من سرقاتهم، دون أن يكونوا في هذا لصوصا. انتهت الحكاية واعتقد انها درس في السرقة، اكتشفه بعض مسؤولينا من دون ان يعرفوا من هو" لاتسو" ولا قرأوا " التاو" لأنهم لا يقرأون اصلا.. فمهمتهم الاساسية في الحياة هي التفنن في ممارسة السرقة والتي اصبحت في ايامنا هذه امرا طبيعيا مادام المسؤول لا يحاسب، وأقصى ما يتعرض له الإقالة مع حفظ حقوقه التقاعدية وما يترتب عليها من امتيازات، وزراء ومسؤولون سرقوا من مال البلد أكثر من ميزانيات دول الجوار مجتمعة وغادروا من غير أن يقتص منهم، فما الذي يمنع الآخرين من انتهاج هذا الطريق، واكل الفاسدون من اموال الناس ما لم تأكله شعوب إفريقيا مجتمعة، لأول مرة في تاريخ النظم السياسية نجد ساسة يغادرون البلد حال فشلهم في الحصول على منصب جديد، فما الذي يبقيهم وأموالهم وقصورهم ومشاريعهم في الخارج؟!.
كم هي بسيطة هموم العراقيين أن يعرفوا مثلا، أين اختفت الميزانيات المليارية، وليس في العراق كهرباء ولا ماء صالح للشرب ولا ضمان اجتماعي وصحي ولا شوارع نظيفة.
المواطن يسأل لماذا تحول العراق من دولة تسعى للتنمية والرفاهية الاجتماعية إلى دولة فقيرة يحكمها لصوص؟
لماذا أصبحنا دولة يعيش ربع مواطنيها تحت خط الفقر في الوقت الذي ينافس فيه سياسيونا على قوائم أغنياء العالم؟
ماذا فعلت عجلة الساسة غير إنتاج الفقر للمواطنين والثروات السهلة للمسؤولين ومقربيهم؟
المواطن يسأل؛ لماذا سادت أعراف دولة الفساد التي حولت العراق من بلد غني إلى بلد يدير ثرواته موظفون ومسؤولون يعتبرون المال العام جزءا من ثرواتهم الشخصية.
الناس تريد أن تعرف لماذا اصبحنا نعيش في ظل دولة تدور فيها عجلة السرقة وبامان، فيما تتعطل عجلة السياسة والضمير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. عمر علي

    الاستاذ علي حسين المحترم... هذا ما خطط له الامريكان منذ احتلوا العراق في 2003 لقد علموا انهم لا يقدرون على هذا الشعب بالاحتلال و التجويع المباشر فوجدوا الطبقة السياسية التي تنفذ كل ما يريدون دون ان يظهروا على الواجهة. زيدوا من انتاج النفط وتقاسموا الموارد

  2. كاطع جواد

    ما العمل يا استاذ ؟؟..ما هو الحل لإيقاف هؤلاء اللصوص عن غيهم ؟..انها فعلا مصيبة كبيرة انهم لا يشبعون ولا يرق لهم قلب ولا يرف لهم جفن ،آلآف الأرامل والمعوقين يجوبون الشوارع بحثا عن لقمة يسدون بها جوعهم ..يا ترى هل هؤلاء المسؤولين يؤمنوا ان هناك يوم اخر يح

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram