TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > في الذكرى الثانية لتظاهرات شباط 2011..رموز الثورة وأيقوناتها (5-5)

في الذكرى الثانية لتظاهرات شباط 2011..رموز الثورة وأيقوناتها (5-5)

نشر في: 1 مارس, 2013: 08:00 م

مدرسة ميدانية للديمقراطية إن قصة الاحتجاجات لا تنتهي بمحاولة طرد أشباح الدكتاتورية، بل في تأسيس مدرسة جديدة للديمقراطية، تحت نصب الحرية كانت الشعلة الشبابية تتقد : ابتكار طرق جديدة للتواصل، صياغة ذكية للشعارات، تجليات إبداعية لخيال السياسي نقدي من أ

مدرسة ميدانية للديمقراطية

إن قصة الاحتجاجات لا تنتهي بمحاولة طرد أشباح الدكتاتورية، بل في تأسيس مدرسة جديدة للديمقراطية، تحت نصب الحرية كانت الشعلة الشبابية تتقد : ابتكار طرق جديدة للتواصل، صياغة ذكية للشعارات، تجليات إبداعية لخيال السياسي نقدي من أشكال ورسوم وتعبيرات فنية وشعبية وعروض مسرحية، على خلفية من تنوع فئات المشاركين و حيويتهم المنتمية إلى عصر القوة الافتراضية، مرّ من يساري شاب نحت كأسا من الخشب مشابها لتصميم كأس العالم لكرة القدم وكتب عليه "كأس الفساد العالمي" وسألته ماذا ستفعل به فردّ عليّ وهو يلوح بالكأس انتظر أن يظهر أحد السياسيين لأسلمه الكأس فقد فاز بها عن جدارة.

ومرّ من جنبي شاب آخر يرتدي (تشيرت) ضيقا علق على ظهره عبارة مطبوعة تقول "الحكومة فاسدة يرجى إبلاغ الشرطة". ودفعتني بساطة الشعار وقوته إلى الضحك وسط شباب يرتدون أزياء التخرج، ويغنون محتفلين بحياة تريد الانتصار على الموت.

كان زيهم يتضمن إشارة مزدوجة ،فهم تخرجوا من الجامعات ولا يجدون فرصة عمل، وهم أيضا يرتدون أرواب التخرج لأنهم يتعلمون الآن كيف يغيرون العالم،  ليس من خلال المناهج النظرية والمحاضرات المملة، بل من خلال قوة الأقدام التي تضرب الأرض بثبات، والحناجر التي تعلو بصوت واحد ورغبة واحدة محررين المكان من جموده  وتحجره ومتحدين الزمن الذي يمضي من دون معنى. 

كنا بحاجة إلى صورة واحدة من السماء أو من مكان عال للموجة البشرية التي ملأت الساحة، صورة شبيهة بمثيلاتها في الساحات العربية، صورة أسبغ عليها أحد الأصدقاء وصف "رؤية الخالق".

وبحثنا عن أي مكان عال كي نشرف على المشهد بأسره، فقد منعت سيارات البث المباشر من الدخول إلى الساحة، وصودرت كاميرات ومعدّات الصحافيين عند نقاط التفتيش التي أقامتها الأجهزة الأمنية في محيط ساحة التحرير.

لكن من نال امتياز أن يشاهد، مثل الخالق، جموع المتظاهرين من عليائه كان مسؤولا في الحكومة،  ظهر في جمعة الغضب من أحد طوابق "المطعم التركي" المطل على ساحة التحرير، يتحلق من حوله ضباط يتحدثون عبر أجهزة اللاسلكي ويوجهون رجال الأمن في الشارع.

وحين نزلت طائرة هيلكوبتر على مسافة أمتار من الرؤوس مثيرة سحابة من الغبار في محاولة لتفريق المتظاهرين، رد المتظاهرون برفع أحذيتهم باتجاه المسؤول الحكومي في المطعم التركي.

كان الجميع يراهن على "نقاء" الشباب، ولقد مسنا هذا النقاء وطهرنا من مخاوفنا. لقد أطلق ما هو مكبوت على صعيد جماعي في شكل ابتهاج ثوري حقيقي، لذا كان الخوف ماثلا على هذا النقاء من ركوب التظاهرات أو سرقة الجهود الجماعية الصافية ،الأمر الذي يدخل الاحتجاجات في حمى الصراع الدائر على السلطة، وهو ما حاولت بعض الجهات السياسية المشاركة في السلطة العمل عليه، كما حاولت ركوبه جهات أخرى خارج العملية السياسية.

ولتأكيدهم على مثل هذا النقاء الثوري، لم يسمح الشباب برفع شعار واحد يمثل جهة سياسية محددة، بل طردوا عددا من السياسيين وأعضاء البرلمان ممن حاولوا ركوب التظاهرة ومنعوهم من إلقاء كلمات وخطب في ساحة التحرير.

وقاد "كريم حنش" صاحب مكتبة "الحنش" في شارع المتنبي، حملة ضد كل سياسي يشم رائحته في الساحة، وكمن يحمل مكنسة لا مرئية تنقل هذا الرجل الذي لم يفقد لهجته العمارتلية رغم سكنه في بغداد، بين جموع المتظاهرين وهو يصرخ بغضب ضد هؤلاء السياسيين المزيفين وسحب أحدهم وطرده من الساحة.

كان حنش بشعره المصبوغ بالحناء وتراثه من سنوات استنساخ الكتب لبيعها لفقراء المثقفين يشعر بأن دوره أصبح أكبر من أن يكون ناشر الفقراء كما يصف نفسه. ومثل كريم كان هناك كثيرون أعادوا صياغة دورهم وأخذوا يفكرون بهويتهم ومغزى وجودهم على نحو جديد.

كان المتظاهرون بالنسبة لي بدون أسماء ...كنت أرى تعبيرات ساخرة وشعارات وأحسست بأنني أصبحت أيضا بدون اسم، لقد كنا جميعا جزءاً من  كيان أكبر بلا اسم ، كيان يتحرك بآلاف الرؤوس ليحيل الرغبة في تغيير  العالم إلى قوة لا يمكن مواجهتها.

كان هذا الكيان الاحتجاجي مثل طفل ينمو في رحم المكان، لم تكن ملامحه واضحة بعد، لكن كان من الواضح لي أني أمام مدرسة ميدانية للديمقراطية  وكانت أبواب الدخول إليها تتعدد جمعة بعد أخرى.

لذا لم يكن سهلا على الشباب أن يتركوا المكان، فقد أصبح موطنا لديمقراطيتهم، ومشغلا لرسم لوحتهم الجماعية المثيرة، وهنا نجد الخيال التظاهري أو الاحتجاجي قد عمل نقلة جغرافية تحمل شيفرات على درجة عالية من الرمزية، ذلك أن نقل التظاهرات من ساحة الفردوس حيث سقط تمثال الرئيس المخلوع على يد الآلة الحربية الأميركية 2003 إلى ساحة التحرير حيث ينتصب منذ عقود نصب الحرية الذي شيد في العهد الجمهوري الأول 1958-1963، وقريبا من المنطقة الخضراء التي تعد مطبخ العملية السياسية يؤشر على أن مشروع التحول الديمقراطي تعثر في طور الانتقال، وانه لا بد من حصاره وتحديد مواطن خلله، فكان الحصار الجغرافي المدني  الشبابي  للمنطقة الخضراء يحمل رسالة واضحة على أرض الواقع ويرسم خريطة مواجهة حتمية بين من يرفعون الشعارات السلمية المدنية وبين من يطلقون الرصاص.

في مقابل ذلك حاولت الحكومة  أن ترد على هذا الحصار برفع حواجز كونكريتية عالية في جسر الجمهورية المؤدي للمنطقة الخضراء وبعثت بمجموعة من الرسائل على شكل قرارات للتحكم بجغرافيا أماكن التظاهرات، تمثل بمحاولة نقلها من ساحة التحرير إلى منطقة ملعب الشعب الدولي، حيث يمكن أن تخاض مباراة أخرى بين جماهير الشعب والحكومة بعيدا عن دماغ النظام القائم في المنطقة الخضراء.

مصنع أفكار أم ورشة جماعية للتفكير؟

أطلقت التظاهرات حراكا غير مسبوق، لتأسيس منظمات وتجمعات ولدت من رحم ساحة التحرير، مثل  تجمع "كفى" الذي رفع  كلمة (كفى) ضد كل خطوة باتجاه دكتاتورية جديدة، أو لجنة الاحتجاجات الجماهيرية التي بدأت بإصدار نشرة دورية بعنوان "يوميات الانتفاضة" تضمنت تأكيدا على الشعارات التي يطالب بها المتظاهرون مع مقال تحليلي لمجريات التظاهرات.

واتفقت مجموعة من الشباب والمثقفين وأساتذة الجامعات والإعلاميين والناشطين المدنيين  على إصدار بيان يدعو للتظاهر يوم 25 شباط، وفي ساحة التحرير تبلور هذا التجمع في حركة جياع التي تسعى لـ" سد جوع المجتمع للحرية والكرامة والعيش الكريم، وإشباع الجوع للسلم المجتمعي..."

كما انتظمت في إطار منظمات أخرى مجاميع مختلفة بهدف التنسيق بين المتظاهرين أو الاتفاق على شعارات موحدة، فكانت  منظمات "أين حقيِ" و"مجلس السلم والتضامن" إطارات جامعة لمجاميع المشاركين من أجل تأسيس "هيئة تنسيق الحراك الشعبي" الذي ضم مجموعة كبيرة من المجاميع الشبابية ومنظمات المجتمع المدني والناشطين في مجال التظاهرات.

أما التيارات السياسية التي انخرطت في الحركة الاحتجاجية فتتمثل في تيار القوى الديمقراطية الذي يتكون من الحزب الشيوعي والحركة الاشتراكية العربية والحزب الوطني الديمقراطي بتشكيله الأول الذي يمثله مجيد هديب وتشكيله الثاني الذي يرأسه نصير الجادرجي.

وبهذا الصدد يؤكد د- عامر حسن فياض عضو اللجنة التنسيقية لتيار القوى الديمقراطية أن كثيرا من الشعارات التي أطلقها التيار مثل "لا ديمقراطية من دون عدالة اجتماعية" كانت ترفع في العديد من المحافظات التي شهدت حراكا احتجاجيا، ويرى فياض الذي يشغل أيضا منصب عميد كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد أن  شعارات الاحتجاجات تشكلت ضمن مسارين : الأول له علاقة بتحقيق الديمقراطية والحريات العامة، والثاني يتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية التي تتمثل حسب رؤيته في مثلث (الفقر- البطالة- الفساد). وقد تحرك هذان المساران بفعل الحركة الاحتجاجية، وبرغم بطء حركتهما، لكنهما أرغما السلطات على الاستجابة وإن كان ذلك بحكم الاضطرار.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram