TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أبو طبر في بغداد

أبو طبر في بغداد

نشر في: 1 مارس, 2013: 08:00 م

هل عاد أبو طبر الى بغداد؟
ذات يوم جُنَّت بغداد. فجأة أعلنت السلطات منع التجول. كان الوقت أول المساء. أصحاب السيارات داخوا أين يعطون وجوههم، وكذلك الراجلون. ماذا هناك؟ الشرطة في كل مكان، وحملات التفتيش دارت على الأحياء والبيوت. ثم بطريقة ما فهمنا ان الأمر يتعلق بحملة بحث ومطاردة كبرى للإيقاع بـ "أبو طبر" الذي كان قد أشاع الذعر في العاصمة، بعد سلسلة من حوادث القتل المريعة.
الناس الذين تصادف وجودهم في تلك الأمسية خارج البيوت نسوا كل شيء وتلخص همهم وأملهم بالوصول الى بيوتهم. القليل الباقي من سيارات الأجرة في الشارع توقف عن العمل، وأمست حاله حال الجميع، دائخ في كيفية العودة الى البيوت. وقد اضطر ذلك الراجلين، الذين كانوا يعودون الى منازلهم مشيا على الأقدام، لمواجهة السين والجيم من الشرطة. كل من في الشارع في ذلك المساء غدا مشبوها. وأمل كل من في الشارع في ذلك المساء كان الوصول الى البيت.
من جديد أصبح الوصول الى البيت، او العمل، أو الى أي مكان مقصود، أمل الآمال ببغداد في هذه الأيام. فنقاط التفتيش العسكرية التي تملأ المدينة، تعمل بأقصى همتها، من أجل تسويد عيشة المواطنين، وجعل "الوصول" أمنية. في بعض الحالات، عندما تكون هناك تظاهرات تغدو الأمنية مستحيلة، خاصة اذا كنت تريد العبور من دولة الكرخ الى دولة الرصافة، وكانت هناك تظاهرات.
وبعض هذه الأيام تزدوج عليه المحنة، فيجمع بين ذكريات أيام الانقلابات العسكرية وبين أمسية حظر التجوال خاصة أبو طبر، وفي كليهما تكون العودة الى الدار هي الأمل، و"الوصول" الى الهدف هو الرجاء. وكما في تلك الامسية من أيام بداية سبعينيات القرن العشرين، يغدو كل من في الشارع مشبوها، اذ لا تنتشر السيطرات، وتتعدد نقاط التفتيش في كل حي ومفترق طريق من طرق بغداد، إلا لأن هناك "مؤامرات" أو "مخططات ارهابية" يُعد لها في الخفاء، ويمكن أن يكون أي مواطن بين أصحابها.
أبو طبر قد يكون واقعة، وقد يكون فكرة، وقد يكون الإثنين. المهم الحصيلة التي ترتبت عليه، والنتيجة التي تحققت من خلاله. وهي إن كل مواطن مشبوه. وكان على الحاكم أن تتملكه هذه النظرة تجاه الشعب، وتتحكم به، لأنه كان لصا، مغامرا، سطا على السلطة في غفلة من الزمن، وفي استباحة للقانون. وقد جعله ذلك مرتابا، متوترا، محتقنا، عنيفا، ظالما، عدوانيا، عديم الإحساس. وكل هذه "الأحوال النفسية" هي أعراض الخوف الناتجة عن ارتكاب جريمة سرقة السلطة والاستيلاء عليها.
والقاعدة هي ان الحاكم الخائف مخيف، لأنه لن يعرف وسيلة للحكم سوى اشاعة الخوف. سوى تعميم الخوف. والتشابه النسبي بين بغداد الأمس واليوم ليس مصادفة. فهناك "لاشرعية" في حاكم اليوم مثيلة للاشرعية حاكم الأمس. ان صندوق الاقتراع الذي جاء بالمالكي، أو مرسي، لا يمكن أن يكون مصدر الشرعية الوحيد. ففي المراحل الانتقالية هناك ما أهم من الانتخابات، وهو المصالحة الوطنية، والتوافق الوطني على مرحلة انتقال سليمة نحو الديمقراطية: هذان الأمران هما أسباب شرعية الحاكم فيما يعرف بالمرحلة الانتقالية. من دونهما ليست هناك شرعية لحكومة، وليست هناك من دون هذه الشرعية سوى فكرة أبو طبر، ووسائل وأعراض أبو طبر، والنتيجة العامة المترتبة على أبو طبر: كل مواطن مشبوه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. كاطع جواد

    الحاكم ان جاء عبر انقلاب عسكري او جاء عبر الانتخابات عليه واجبات ومن هذه الواجبات هو الحفاظ على امن المواطن وسلامته لكن الأساليب والوسائل تختلف فالأول يعتمد كل ما يراه مناسبا له والثاني يقوم بما يراه مناسبا للمواطنين ثم ما هو مناسب له اما اذا تساوت الفرض

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram