TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > في الذكرى الثانية لتظاهرات شباط 2011..رموز الثورة وأيقوناتها (7-7)

في الذكرى الثانية لتظاهرات شباط 2011..رموز الثورة وأيقوناتها (7-7)

نشر في: 3 مارس, 2013: 08:00 م

دشنت لحظة إسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس في بغداد على يد الآلة الحربية الأميركية  2003 رغبة غرب ما بعد الحداثة تغيير مجتمعاتنا التقليدية بالقوة، وحكم منطق "التغيير من الخارج" تجربة التحول الديمقراطي بعد ذلك، غير أنه  انطلاقا من تظاهرات سا

دشنت لحظة إسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس في بغداد على يد الآلة الحربية الأميركية  2003 رغبة غرب ما بعد الحداثة تغيير مجتمعاتنا التقليدية بالقوة، وحكم منطق "التغيير من الخارج" تجربة التحول الديمقراطي بعد ذلك، غير أنه  انطلاقا من تظاهرات ساحة التحرير، أضحت الحاجة واضحة للتقدم بمنطق جديد للـ"تغيير من الداخل" والتعبير عن رغبة العراقيين بعدم التفريط بالحرية التي نالوها أو مصادرتها من قبل سلطات أو نخب سياسية مبطئة ومعيقة للتحول الديمقراطي.

وبذلك فإن قطار الديمقراطية الذي انطلق في العراق بعد 9 نيسان 2003  سار في اتجاه آخر بعدما قادته النخب السياسية بما يخدم وجهتها، إلا أن الاحتجاجات الجماهيرية عادت به إلى السكة الصحيحة، وبالتالي فإننا ننظر إلى الاحتجاجات الجماهيرية بكونها  تدشينا للرغبة في "التغيير من الداخل" إزاء  دينامية "التغيير من الخارج" عن طريق القوة العسكرية العظمى.

حول فلسفة التغيير

 

قال لي "بلال حسن" وهو مهندس مدني شارك في تظاهرة جمعة الكرامة "بعكس الثورات العربية، حصل التغيير لدينا منذ سنوات، لكنه لم يتم بأيدينا، لذا هذه رسالتنا إلى العالم، أننا  الآن نتغير من الداخل"

كما أن التظاهرات دشنت آلية لـ"التغيير من أسفل"  إزاء "التغيير من أعلى"، فما حصل من تغيير في العراق "من الخارج" أطلق مشروع بناء عراق جديد ولكن عن طريق هندسة فوقية "التغيير من أعلى" وهي خطوة خلقت نموذجا فاشلا للتغيير أحبط أمل العراقيين بالانتقال من تركة الاستبداد والدكتاتورية إلى فضاء من التعددية والحرية، ذلك أن هذه الـ "هندسة فوقية" مفصولة عن المجتمع بكل ما يتلازم معها من ممارسات ومفاهيم، مثل المحاصصة وتقاسم المغانم بين نخب سياسية استخدمت ستراتيجيات تعبئة عرقية ودينية وطائفية للوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها في ما بعد، وهي ستراتيجيات ساهمت في تفتيت النسيج الاجتماعي للبلاد.

وفي مواجهة آلية "التغيير من أعلى" تحضر في ذهني صور حية وقوية تشرح من خلال تجربة عيانية كيفية عمل "آلية التغيير من أسفل" من أبرزها :

كنت أشارك في الساحة شباباً وشابات يحملون أكياسا للنفايات، ثم يجمعون قناني الماء البلاستيكية من الشارع ويضعونها في سلة الأزبال، وهذه صورة لا يمكن تخيلها في سياق الحياة العادية في مقابل صورة نمطية عن شخص يدفع يده من زجاح نافذة السيارة ليلقي قنينة الماء الفارغة في الشارع.

وبين الجميع كانت الفتيات (بحجاب أو بدون حجاب) يتنقلن بكامل الحرية دون خوف من أن يتحرش بهن احد أو يتعرضن لمضايقات من قبل الذكور، وهذه صور تعكس تسامي رغبات المحتجين وسط ثقافة تتعرض فيها المرأة لمختلف صنوف الامتهان والهيمنة الذكورية.

وإذا أتيح للمرء أن يمر من تحت نصب الحرية ليصل إلى حديقة الأمة فسيجد الرجال (سنة وشيعة) يُصَلَونَ معا دون أن يكون ذلك استجابة لدعوة سياسية أو فتوى دينية، إذ لم يجتمع الناس للصلاة معا  بناء على مشروع مصالحة وطنية ولا بناء على دعوة إخاء دينية، بل جمعتهم الرغبة في الإصلاح على ارض واحدة تتكسر عليها الاختلافات الطائفية، وبذلك حقق المتظاهرون العفويون ما عجز عنه السياسيون ورجال الدين .

أما أجمل صورة تختزنها ذاكرتي فهي عن متظاهرين منعوا من الدخول إلى ساحة التحرير للمشاركة بتظاهرة جمعة الكرامة، وحين سمح لهم بذلك  بعد ساعات استقبلهم بقية المتظاهرين (المتواجدين في الساحة) بعاطفة جياشة والتي كنا نتصور أنها اختفت في العلاقة بين العراقيين بعد سنوات دموية من الكراهية والجدران الوهمية.

هذه  الصور العفوية عكست نمطا لـ"التغيير من أسفل" يفصح عن وعي مدني ناشئ عابر لخطوط الانقسام العرقية والدينية والطائفية، هو تغيير من أسفل يثبت "وحدة" عابرة لخطوط التقسيم  إزاء ثقافة سياسية فوقية توظف الانقسام وتستثمره سياسيا.

كما مثلت هذه الصور أشكالا عفوية ونواتية من التعبير عن "هوية وطنية" ناشئة إزاء تعبيرات عرقية ومناطقية وطائفية سادت منذ الاحتلال الأميركي للعراق. 

ومثلما كسرت هذه الصور العفوية جدار الطائفية منذ وقت مبكر من انطلاقها، كشفت الشعارات المرفوعة في كردستان وبغداد وبقية المحافظات المشتركات التي تجمع المتظاهرين، ودفع القمع الذي جوبهت به التظاهرات، المثقفين والناشطين في جميع أنحاء العراق للبحث عن مشتركاتهم وتوحيد خطابهم والإجماع على ضرورة إطلاق أصواتهم معا.

وجاء بيان مثقفي كردستان "لنمزق طبول الدكتاتورية معا"  ليحطم  الجدار بين الجزء العربي من العراق وجزئه الكردي.

ذُيلَ البيان بتوقيع 113 مثقفا وناشطا كرديا، يأتي في مقدمتهم الشاعر الشهير "شيركو بيكس" الذي يترأس أحد أهم المؤسسات الثقافية الرسمية في إقليم كردستان "مؤسسة سردم"، كما شغل في وقت سابق منصب وزير الثقافة في الإقليم.

تضمن البيان إدانة واضحة للدكتاتورية وأدواتها القمعية إزاء الاحتجاجات المتواصلة في جميع أنحاء العراق، وخاصة في العاصمة بغداد، لا سيما بعد استخدام رجال العشائر في الاعتداء على التظاهرات السلمية في ساحة التحرير، وإدانة لجميع مظاهر التضييق على حرية التظاهرات من "منع وسائل الإعلام من النقل الحي للأحداث وتهديد وملاحقة واعتقال العاملين بالثقافة والناشطين المدنيين".

   ولأول مرة منذ الاحتلال الأميركي للعراق يتقدم المثقفون في كردستان من زملائهم العرب بخطوة جريئة خارج الاحتفالات والمهرجانات الرسمية أو المسيسة، خطوة كسرت الحواجز الوهمية بين أجزاء العراق بمكوناته المتنوعة، وأكدت الرغبة المشتركة في بناء عراق ديمقراطي تعددي، حيث جاء في البيان "إن تجربة المشتغلين بالثقافة الكرد مع سلطات إقليم كردستان التي اختارت القمع والقوة الغاشمة وسيلة لإسكات صوت الاحتجاجات المستمرة في الإقليم منذ شباط، تؤهلنا لتجاوز حاجز الفوارق المذهبية والعرقية لمد يدنا لقوى المجتمع المدني في كافة أنحاء العراق للتأكيد على نضالنا المشترك من أجل الديمقراطية و العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان".

وهكذا بدأت الجدران بالتحطم إزاء مثل هذا الوعي الناهض، ومع هذا الوعي العميق بضرورة النضال المشترك من أجل الديمقراطية كانت عبارة "إصلاح النظام" تتضمن تغييره شكلا ومضمونا.

ومع ما وضعته الاحتجاجات الجماهيرية من آلية لـ"التغيير من الداخل" إزاء مشروع "التغيير من الخارج". وآلية "التغيير من أسفل" إزاء البرنامج السياسي  لـ"التغيير من أعلى" كانت  فلسفة جديدة تتقدم  لبناء عالم عراقي جديد "كل ما هو صلب فيه يتحول إلى أثير".

طريق الأمل

ولكن مع كل هذه النغمة التفاؤلية والإيمان بفلسفة التغيير الجديدة، ينبغي أن نستعد لجميع الاحتمالات، فمثل كل مثيلاتها العربية، تواجه الحركة الاحتجاجية في العراق تحديات كبيرة، وهي أكثر تعقيدا بسبب حالة الاستقطاب الطائفي الشديدة وذاكرة الحرب الطائفية 2006 وقوة المؤسسة الدينية وتأثيرها على جماهير المقلدين للمراجع الدينية، ما حرم التظاهرات من الحصول على قاعدة شعبية كبيرة، وحجَم من احتضان المجتمع بكامله لمطالب الإصلاح، فهناك شارع كردي وشارع عربي، وبدورهما ينقسمان إلى شوارع فرعية، فالشارع العربي ينقسم إلى شارع سني وشيعي، والأخيران ينقسمان بدورهما إلى شوارع أخرى بحسب الولاءات الدينية الطائفية أو الحزبية أو الفئوية أو المناطقية.

وشكل ذلك عائقا كبيرا من جهة، لكن في الوقت ذاته صاغ وعيا بالهدف البعيد للاحتجاجات بأن توحد الشوارع لتصب جميعا في ساحة الإصلاح.

سوف يتفاوت نجاح ثورات الشباب من بلد عربي إلى آخر، وبعض التجارب تحتاج  إلى وقت لكي تبلور بديلا، ربما يحتاج الأمر إلى سنوات لتغيير المعادلة السياسية الطائفية في العراق، وعقودا لكي نتخلص من إرث الاستبداد وثقافته، ولكن يوم 25 شباط لم يكن سوى مجرد البداية، بداية طريق الأمل.

ففي ذلك اليوم قطعت عشرات الكيلومترات مشيا على الأقدام لكي أصل إلى ساحة التحرير، كان هناك شبان يرتدون ملابس رياضية يقطعون الطريق معي، وكانت بين الحين والآخر تمر سيارة عسكرية أو إحدى سيارات الشرطة وتحمل الراجلة مسافة محددة.

مشيت بدون تخطيط مع رجل معاق يستخدم عكازا، مشينا معا والصمت يخيم علينا،  فقد كنت خائفا من أن أقول "إنني ذاهب إلى ساحة التحرير" بسبب التعبئة الحكومية التي صورت المتظاهرين كأعداء، لكني ابتسمت لفكرة أن هذا الرجل من الممكن أن يؤذيني لمجرد كوني متظاهرا، فقلت له "من الصعب عليك أن تخرج هذا اليوم".

التفت الرجل بوجه متعب وابتسم بغموض "لا بد من انه كان خائفا مثلي" ثم قال "إنني خارج من اجل التظاهرة". كان علي التوقف أكثر من مرة للسماح له بأخذ استراحة كل نصف ساعة، استمعت خلالها لقصته : خاض هذا الرجل جميع حروب الدولة ضد أعدائها، وقطع طريقا طويلا بساق واحدة لكي يهتف في الساحة "إن هذا العالم يجب أن يتغير".

على امتداد الطريق من جنوب بغداد إلى قلبها يقع معسكر ضخم يطلق عليه اسم "معسكر الرشيد" قام بإنشائه البريطانيون بعد احتلالهم العراق في بدايات القرن العشرين، وقد تعين علينا أن نقطعه قبل أن نصل إلى تقاطع يشرف عليه مبنى مدمر، كان مستشفى المعسكر ذات مرة.

جلسنا على رصيف الشارع وتبادلنا رشفات من قنينة الماء التي كنت احملها، استنتج الرجل من نظري إلى ساعة المعصم كل عشر دقائق أنني قلق من الوصول متأخرا، فقال بلهجة حازمة "التحق يا بني بأصدقائك في الساحة....وسوف أصل إليكم لاحقا"

شعرت بالذنب وأنا أتقدم عليه بالمسافة، كانت أقدامي تضرب الشارع بإيقاع منتظم، وتوقفت عن حساب عدد  خطواتي، لأتذكر مشاعري حين قطعت هذا الطريق مشيا على الأقدام لأول مرة : كان ذلك في منتصف نيسان 2003 حين دخلت القوات الأميركية   بغداد عبر هذا الطريق، وكنت أشاهد الشعارات التي تحتفل بسقوط صدام على الجدران "رحل الدكتاتور إلى الأبد" وكانت رؤية قيامية من السيارات المدنية والعسكرية المحترقة والدبابات المعطوبة والقبور التي دفن فيها القتلى في حفر في رصيف الشارع مع علامات تقول "هنا قبر الشهيد فلان" لكي تهتدي عائلته إليه، فتدفنه بشكل لائق.

كان طريقا يرسم فوضى لا نهاية لها، فوضى تحتم على البلاد أن تغرق فيها لسنوات قادمة. سنوات غيرتني كلياً، فأصبحت لا أتعرف على نفسي بسهولة، فمن أنا... وسط هجوم الهويات القاتلة ؟

إنه الطريق نفسه مرة أخرى ... لكنه يرتسم لي على نحو آخر، أحس أن السماء تتكسر حولي لينفتح طريق ممتد بالأمل، الأمل في ماذا؟

لم أكن أعرف وقتها..لكنني عندما وقفت تحت نصب الحرية كنت جزءاً من معرفة وحساسية جديدة تتجاوزني إلى ما هو أعظم. كنت جزءاً من عالم يتحطم، ليولد عالم جديد، أو بوضوح شديد لكي أولد أنا.

إنني من جيل عايش ثلاث حروب وحصار واحتلال، لكنه الآن إزاء أحاسيس جديدة، وأستطيع القول إنني كنت لأول مرة في حياتي أشعر بأنني "شاب" وبأنني "حي"، وأستطيع أن أضيف "حر" لكي تكتمل ثلاثية الشعور بما تحتويه من معان.

لم ألتق الرجل صاحب العكازات في ساحة التحرير، ربما لم تسعفه طاقته على الوصول، ولا أعرف حتى هذه اللحظة اسمه، لكنني متأكد من أن الطريق الذي مشيناه معاً انتهى بنا إلى ولادة جديدة. 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram